يمثل إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلي اعترافها بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند) تطورًا بالغ الخطورة، لا يقتصر أثره على الشأن الصومالي الداخلي، بل يمتد ليشكل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر، وانتهاكًا واضحًا لقواعد النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وذلك من عدة عوامل أساسية، منها:

أولًا: انتهاك صريح لسيادة الصومال والقانون الدولي
يُعد هذا الاعتراف خروجًا سافرًا على المبادئ المستقرة في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، اللذين ينصان بوضوح على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فجمهورية الصومال الفيدرالية دولة ذات سيادة كاملة وعضو في الأمم المتحدة، وإقليم أرض الصومال يُعد، قانونيًا ودوليًا، جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، ولا يملك أي صفة قانونية تخوله ممارسة أعمال سيادية أو عقد اتفاقيات دولية أو الحصول على اعتراف خارجي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتراف أحادي بإقليم انفصالي يمثل سابقة خطيرة تهدد استقرار النظام الدولي، وتفتح الباب أمام تقويض سيادة الدول، وتشجع النزعات الانفصالية في مناطق أخرى من العالم.

ثانيًا: أبعاد جيوسياسية تتجاوز الداخل الصومالي
لا يمكن فصل هذا الاعتراف عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تشهده منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالمنطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية في العالم، نظرًا لارتباطها المباشر بأمن الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، وأمن الطاقة، والتجارة العابرة بين الشرق والغرب.

ويبرز مضيق باب المندب كأحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية تصل إلى 30 بالمئة، وأي محاولة لاستغلال موقع إقليم أرض الصومال في هذا الإطار تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للدول المطلة على البحر الأحمر، وتزيد من احتمالات عسكرة الممرات البحرية ورفع منسوب التوتر الإقليمي.

ثالثًا: إسرائيل واستراتيجية خلق بؤر التوتر
يأتي هذا الاعتراف في سياق نمط متكرر من السياسات الإسرائيلية القائمة على استغلال الأزمات والنزاعات الداخلية في الدول، بهدف خلق موطئ قدم استراتيجي يخدم أجندات أمنية وعسكرية بعيدة المدى. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن مثل هذه التدخلات لا تؤدي إلى الاستقرار، بل تفضي إلى تعميق الانقسامات، وتحويل المناطق الهشة إلى بؤر صراع إقليمي ودولي.

وفي الحالة الصومالية، فإن هذا التحرك يهدد بتقويض الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الاستقرار وبناء الدولة، ويضع الإقليم في مواجهة محيطه العربي والإسلامي والأفريقي، ويعزله عن عمقه الطبيعي وانتمائه الأصيل للشعب الصومالي.

رابعًا: تداعيات خطيرة على أمن البحر الأحمر والاقتصاد العالمي
لا تقتصر مخاطر هذا الاعتراف على الجوانب السياسية فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وأمنية عالمية. فالعبث بأمن البحر الأحمر وباب المندب ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد، ما يجعل هذا التحرك تهديدًا يتجاوز الإقليم ليطال الاقتصاد العالمي بأسره.

خامسًا: ضرورة موقف دولي موحد
في مواجهة هذه التطورات، تبرز أهمية اتخاذ موقف دولي موحد وحازم يرفض الاعترافات الأحادية غير الشرعية، ويؤكد الالتزام بمبادئ السيادة ووحدة الأراضي. كما أن دعم موقف جمهورية الصومال الفيدرالية يُعد ضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر والصراعات المفتوحة.

نخلص مما سبق إلى أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال لا يمثل مجرد خطوة سياسية معزولة، بل هو تحرك استراتيجي يحمل في طياته مخاطر جسيمة على وحدة الصومال، وأمن القرن الأفريقي، واستقرار البحر الأحمر. والتعامل مع هذه الخطوة يتطلب وعيًا استراتيجيًا جماعيًا، وموقفًا دوليًا مسؤولًا، يحمي سيادة الدول، ويصون أمن الممرات البحرية الحيوية، ويمنع تحويل النزاعات الداخلية إلى أدوات صراع إقليمي.