ليس ما كُتب في افتتاحية رئيس تحرير صحيفة «الثورة» نور الدين الإسماعيل، بتاريخ 5 كانون الثاني (يناير) 2026، «الاستعراض ليس إنجازًا»، مجرد ملاحظة أو عتبٍ مهني عابر، بل هو تساؤل جوهري يمسّ صميم العلاقة الملتبسة بين المسؤول والناس، وبين الصحافة والسلطة، وبين ما يُعرض على الشاشات وما يجري فعلًا على الأرض. إنه سؤال يتجاوز الأشخاص والوقائع الآنية ليطال المفهوم ذاته: ما معنى أن تكون مسؤولًا؟ وكيف تُقاس الجدية في زمن الصورة؟ وبأي معيار يمكن استعادة الثقة التي تآكلت طويلًا بين الشارع والمؤسسات؟
منذ تحرير سوريا، شهدت الساحة العامة ظاهرة لافتة، بدت في بداياتها مبشّرة ومفعمة بالأمل. مسؤولون يقتربون من المواطنين، يصغون إلى شكاواهم، يزورون الأحياء والأسواق، وتلتقط لهم الصور وهم بين الناس، في مشهد لم يكن مألوفًا في ذاكرة السوريين القريبة. فقد اعتاد الناس، لعقود، صورة المسؤول المعزول خلف الأبواب المغلقة، الذي لا يُرى ولا يُسأل، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر طبقات من الوسطاء. لذلك بدا هذا التحوّل، في ظاهره، كأنه إعلان قطيعة مع ماضٍ ثقيل، وبداية مسار جديد أكثر انفتاحًا وإنسانية.
غير أن الافتتاحية تتوقف عند لحظة دقيقة وحاسمة: اللحظة التي يتحول فيها القرب إلى استعراض، والتواضع إلى أداءٍ متكلّف، والظهور الإعلامي إلى غاية بحد ذاته. هنا، تنقلب الصورة من أداة تواصل إلى ستار، ومن وسيلة تقريب إلى بديل عن الفعل الحقيقي. فالقضية، كما يلمّح رئيس التحرير بوضوح، ليست في أن يُرى المسؤول، بل في أن يقوم بواجبه. وليست في أن يُصفَّق له، بل في أن يُحاسَب. فحين تتقدّم الصورة على القرار، والانطباع على الإنجاز، يصبح الاستعراض عبئًا لا فضيلة، ويصدق المثل الشعبي: «كل شيء زاد عن حدّه انقلب ضدّه».
المسؤول، أياً كانت صفته أو موقعه، وزيرًا كان أو محافظًا أو مديرًا عامًا، لا تُقاس كفاءته بعدد الصور المنشورة ولا بحجم التفاعل على وسائل التواصل. مهمته الأساسية محددة بالقانون، ومسؤوليته الحقيقية تتجسد في إدارة شؤون الناس، وتيسير حياتهم، ومعالجة مشكلاتهم ضمن الصلاحيات المتاحة. وليس مطلوبًا منه أن يمارس مهام موظفيه أمام عدسات الكاميرات، ولا أن يؤدي أدوارًا لا تقع ضمن اختصاصه، فقط ليُقال عنه إنه «قريب من الناس». فالتقصير في الجوهر، مهما غُلّف بصور جذابة وشعارات براقة، سرعان ما ينكشف، والناس، وإن انخدع بعضهم مؤقتًا، يملكون حسًّا عاليًا في التمييز بين من يعمل فعلًا ومن يكتفي بالتمثيل.
وفي صلب هذا النقد، تضع الافتتاحية يدها على جرحٍ قديم ومتجدد: علاقة المسؤول بالصحافة. فالصحفي ليس خصمًا للمسؤول، ولا صيّاد فضائح، بل حلقة وصل أساسية بين المواطن وصاحب القرار. ومن أبسط واجبات المسؤول، وأكثرها دلالة على احترامه لدوره العام، أن يجيب عن أسئلة الصحفيين، أو يقدّم توضيحًا، أو حتى يعتذر عن عدم قدرته على الرد. غير أن الواقع يكشف، في حالات كثيرة، عن صمتٍ مريب، أو تجاهلٍ متعمّد، أو هروبٍ من الأسئلة. وعند هذه النقطة، لا يفقد الصحفي ثقته بالمسؤول فحسب، بل يفقد الشارع ثقته بالصحافة نفسها بوصفها «سلطة رابعة»، ويتسع الشرخ بين الجميع.
الافتتاحية لا تدعو إلى استعادة ممارسات الماضي، ولا إلى إعادة إنتاج صورة المسؤول المتعالي التي كرّسها النظام المخلوع. بل على العكس، هي دعوة صريحة للسير في الطريق الصحيح، طريق الشفافية والمساءلة والمواجهة الصادقة مع الواقع. فالمشكلات لا تُحل بالهروب منها، ولا تُعالج بإنجازات وهمية أو استعراضات فارغة، بل بتسميتها بوضوح، وتحمل مسؤوليتها، والعمل على معالجتها ضمن القانون.
وحين يورد رئيس التحرير مثالًا عن تجاهل أحد المحافظين لأسئلة الصحيفة حول أزمة ارتفاع أجور المنازل، فهو لا يهدف إلى التشهير، بل إلى الإشارة إلى خللٍ بنيوي في فهم المسؤولية العامة. فمسؤول لا يجيب، ولا يعتذر، ولا يقدّم رؤية، في قضية تمسّ حياة الناس اليومية، ينسف، من حيث يدري أو لا يدري، فكرة القرب من المواطنين من أساسها.
الرسالة، في جوهرها، واضحة ولا تحتمل التأويل: البناء مسؤولية متكاملة، لا تتحقق بالصور ولا بالشعارات. وما يمنح المنصب معناه الحقيقي ليس ما يُعرض أمام الكاميرات، بل ما يُنجز في الواقع. وحده العمل الجاد، ضمن الاختصاص، والاستجابة الصادقة لمطالب الناس، كفيلان بإعادة الثقة، وترميم العلاقة بين المسؤول والمجتمع. أما الجهد المبذول في غير مكانه، فسيظل، مهما بدا لامعًا، هباءً منثورًا.























التعليقات