مع دخول الانتفاضة الشعبية الإيرانية أسبوعها الثالث، باتت ملامح المشهد السياسي والميداني في إيران تتضح بصورة غير مسبوقة، إذ لم تعد الأحداث مجرد اضطرابات عابرة، بل تحولت إلى بركان يغلي في شوارع أكثر من 190 مدينة وفي كافة المحافظات الإيرانية الـ 31. إن فشل كافة المساعي الأمنية والسياسية التي بذلها النظام لإخماد هذا الحريق أو تهدئته، يضع العالم اليوم أمام حقيقة واحدة: «القطيعة الكاملة» بين الشعب وسلطة ولاية الفقيه وصلت إلى نقطة اللاعودة، حيث يترقب المجتمع الدولي اللحظة التاريخية لسقوط النظام.

تهاوي الأساطير الأمنية وتخبط التصريحات
يعيش النظام الإيراني اليوم حالة من «الإنهاك الاستراتيجي» تحت وطأة الضربات النوعية التي يوجهها المنتفضون. ولعل أبرز تجليات هذا الإنهاك هو حالة التخبط والتناقض الصارخ في تصريحات كبار المسؤولين. فبينما زعم وزير الداخلية يوم الأحد الماضي أن «الأوضاع الأمنية مستقرة تماماً بفعل جهود أجهزة حفظ الأمن»، جاءت تصريحات عمدة طهران، علي رضا زاكاني، لتكشف زيف هذه الادعاءات، حيث أقرّ بأن العاصمة شهدت في ليلة واحدة، 9 كانون الثاني (يناير) هجمات واسعة استهدفت 26 مصرفاً وقواعد للبسيج ومرافق أمنية حيوية، معترفاً بخروج آليات الإطفاء عن الخدمة.

هذا التباين بين «خطاب الطمأنة الزائف» و«واقع الهزيمة الميدانية» يعكس فقدان النظام لزمام المبادرة. وعندما يضطر مسؤول برفيع مستوى لإحصاء المصارف المحترقة والمراكز الأمنية المحطمة، فإنه يقدم فعلياً «شهادة عجز رسمية» تثبت أن القرار بات بيد الشارع وليس بيد الأجهزة القمعية.

استراتيجية «شماعة داعش» والانهيار المعنوي
وفي محاولة بائسة لتشويه صورة الحراك الشعبي، لجأ النظام إلى أسطوانته المشروخة، حيث زعم رئيس الأركان العامة، اللواء عبد الرحيم موسوي، أن أميركا وإسرائيل أرسلتا «مسلحين من داعش» لقتل عناصر الأمن. إن هذه التصريحات البهلوانية لم تعد تقنع حتى الموالين للنظام، بل هي فقاعات إعلامية تهدف للتغطية على «الانهيار المعنوي» في صفوف القوات القمعية التي باتت تفر في العديد من المناطق أمام عزيمة المتظاهرين العزل. إن الشعب الإيراني، الذي يصف النظام في شعاراته بأنه «داعش الحقيقي»، قد تجاوز مرحلة الخداع الأيديولوجي، وبات يرى في الدفاع عن النفس واقتحام المراكز الأمنية حقاً مشروعاً للقصاص من قتلة الشعب.

كلفة الدماء ورد الفعل الدولي
لقد تجاوزت هذه الانتفاضة في زخمها وتكتيكاتها كل ما شهدته إيران في أعوام 2017 و2019 و2022. ومع إيغال النظام في دماء المدنيين، حيث تجاوز عدد القتلى حدود الـ 20 ألفاً، تشير التقارير غير الرسمية وشهادات العيان من أرض الحدث إلى أبعاد مهولة وأرقام أكبر بكثير لضحايا القمع، تحول النظام في نظر العالم إلى «وحش كاسر» يفتك بشعب أعزل. هذا التمادي دفع الدول الأوروبية إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة، شملت استدعاء السفراء والاحتجاج الشديد، مما عمّق من عزلة طهران الدولية وجعلها «جزيرة معزولة» سياسياً.

لغة الإعدام، النفس الأخير للنظام
وفي ذروة هذا التوتر، أطل المدعي العام محمد موحدي آزاد بتهديد غير مسبوق، معلناً أن «كل من يشارك في الاحتجاجات سيعتبر عدواً لله، محارباً»، وهي تهمة عقوبتها الإعدام. إن العودة إلى لغة الإعدامات الجماعية والتهديد بتصفية كل من يساعد «مثيري الشغب»، هي التأكيد العملي الأكبر على أن النظام يواجه خطر السقوط الوشيك، فهي «رصاصة اليأس» التي يطلقها نظام يرى أن زمام الأمور يفلت من بين يديه تماماً.

موضع المقاومة، إرادة التغيير تتحدى آلة القتل
وفي هذا السياق الذي يمتزج فيه الدم بالبطولة، جاءت مواقف مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، لتضع النقاط على الحروف فيما يخص مستقبل هذه المواجهة التاريخية. ففي اليوم السادس عشر من الانتفاضة، أكدت رجوي عبر حسابها على منصة X أن الشعب الإيراني قد استثمر «عشقه اللامتناهي للحرية، وإرادته الصلبة لتغيير القدر، وقوته العظيمة في التضحية» في هذه المعركة الفاصلة.

وأشارت رجوي إلى أن المجازر الوحشية التي أسفرت عن سقوط رقم هائل بلغ 3000 شهيد، وفقاً لإحصائيات منظمة مجاهدين خلق، ليست علامة قوة للنظام، بل هي «دليل على عجز خامنئي وقادة نظام ولاية الفقيه»، معتبرةً أن هذه الجرائم البشعة تدمي ضمير الإنسانية المعاصر. وأضافت أن جثامين مقاتلي الحرية التي تملأ المستشفيات هي خير دليل على عزم شعبٍ لا يهاب الموت في سبيل الإطاحة بالاستبداد الديني، مؤكدةً في ختام رسالتها: «لا توجد قوة قادرة على الوقوف في وجه شعبٍ مصمم على دفع ثمن الحرية بهذا الشكل. إن خامنئي والمجرمين المدافعين عنه سيغرقون هذه المرة في بحر الدماء الذي سفكوه من جسد الشعب الإيراني».

الخاتمة، شبح عام 1979 يلوح في الأفق
إنَّ المشهد الحالي في إيران، بكل ما فيه من تناقضات بين المسؤولين، وتفكك في الجدار الأمني، وإصرار شعبي منقطع النظير، يشبه إلى حد بعيد الأيام الأخيرة التي سبقت سقوط نظام الشاه في عام 1979. لقد انهار حاجز الخوف، وأصبح السواد الأعظم من الإيرانيين يرى في «سقوط ولاية الفقيه» المخرج الوحيد لاستعادة الوطن. العالم اليوم لا يسأل «هل سيسقط النظام؟»، بل يسأل «متى سيسقط؟»، بانتظار ساعة الحسم التي ستعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط الجديد.