تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث
"إيلاف" تستعرض مذكراته في سلسلة حلقات (9)

"خفاجي" يوثّق أزمات المسرح مع انطلاقة التلفزيون المصري

قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"إيلاف" من القاهرة: يُعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي أصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داوود.
وتواصل إيلاف عبر عدة أجزاء سرد الحكايات كما رواها في مذكراته، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري، ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها ذاكراً الوقائع بأسماء أصحابها.

 

الحلقات السابقة من مذكرات سمير خفاجي
الحلقة الأولى: سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضي
الحلقة الثانية: سمير خفاجي العاشق لصوت "أم كلثوم": هكذا رحل نجيب الريحاني!
الحلقة الثالثة: سمير خفاجي يوثٍّق انطلاقة فؤاد المهندس وعلاقته بـ"الريحاني"
الحلقة الرابعة: سمير خفاجي: بشارة واكيم مات حزناً من الجمهور!
الحلقة الخامسة: سمير خفاجي: بديع خيري رفض التعاون مع فؤاد المهندس!
الحلقة الساددسة: سمير خفاجي: يوثِّق اللقاء الأول بين بليغ حمدي وعبد الوهاب
الحلقة السابعة: تحية كاريوكا تُلحِق الخسائر بفرقة المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الثامنة: سمير خفاجي: فؤاد المهندس وُلِدَ مجدداً على مسرح "ساعة لقلبك"

 

 

تأميم الفرقة ووفاة والدته
في يوم اتصل بي أحد جيران منزلنا القديم في شارع القصر العيني وأخبرني أن والداتي قد حضرت من البلد وأنها ذهبت لزيارتهم وهي في حالة إعياء تام وأنهم نقلوها إلى مستشفى أم المصريين.. هرعت إلى المستشفى وهالني الإهمال الذي لاحظته فيه. ووجدت والدتي في قسم الطوارئ مهملة. وبعد مناقشات وإجراءات روتينية تمكنت من نقلها إلى مستشفى الكاتب، وظللت إلى جوارها حتى الساعة التاسعة والنصف مساءً حتى اطمأنت على حالتها وتوجهنا بعد ذلك إلى المسرح. فوجدت الستار لم يرفع بعد.. فتعجبت لأن موعد فتح الستار كان في الساعة التاسعة والنصف.. ولم يحدث أي تغيير تحت أي ظرف من الظروف فجزء كبير من احترام الجمهور هو المحافظة على مواعيد رفع الستار. 
وجدت حسين عنان وهو مدير خشبة المسرح وصديق جامعي يهرع إلى مرتبكاً ويطلب مني عدم الدخول إلى الكواليس حتى ترفع الستار. وتعجبت من هذا الطلب الغريب.. وبينما اتناقش معه أمام باب الكواليس خرج محمد أحمد المصري ومعه ورقة وقال لي أقرأ هذه الورقة.. فسألت عما في الورقة فأخبرني أن أعضاء الفرقة قد اجتمعوا من غيري وأنهم اتخذوا قرارات مكتوبة في هذه الورقة.. وأنهم قرروا تأميم الفرقة.. يعني إيه؟.. كانت هوجة تأميمات الثورة في هذه الفترة في أوجها. وكان عبدالناصر يؤمم كل يوم مؤسسة جديدة.. ما هذا التأميم؟! أنا أعلم أن التأميم يكون لصالح الدولة أما هذا التصرف فلا أجد له تفسيراً.. أما التأميم لمصلحة الممثلين فلم أجد له نظيرًا!.. فقال يعني كلنا أعضاء متساويين في الفرقة وليس لك أي حقوق تزيد عن أي فرد منا. فلما أجبته أن هناك عقود مكتوبة بيني وبين أعضاء الفرقة.. قال: العقود دي تبلها وتشربها ميتها.. ثم أن ديكورات المسرحيات والمسرحيات نفسها ملكي.. بعد انتهاء العرض ظللنا في كازينو الجوهرة للمسرح نتناقش حتى الساعات الأولى من الصباح دون أن نصل إلى حل. وكنت في غاية الإرهاق الذهني والعصبي وحالتي النفسية في غاية السوء، فأنا أتكلم معهم بنصف مخ إذ أني أفكر في والدتي أكثر ما أتناقش معهم. 

 



في الصباح الباكر توجهت إلى مستشفى الكاتب. فأخبروني أن أمي قد قابلت بارئها. دخلت حجرتها وأخذت أقبل يديها وقدميها وأنا في حالة ذهول إنها أغلي ما في الوجود. 
أقمنا العزاء في مجسد عمر مكرم وأقمنا ثلاثة أيام عند شقيقتي الصغرى لتلقي العزاء، ونسيت الفرقة ومشاكلها.. فقد كانت صدمة فقدان أمي بالنسبة لي أكبر من أن أتحملها.
في اليوم الرابع توجهت إلى المسرح وهالني أن أحدا منهم لم يقدر الظرف الذي أنا فيه وأخبرني الحاج وحيد أن لطفي عبد الحميد (فلتة) يأخذ الإيراد ويوزعه على الأعضاء غافلا عن أي إلتزامات للفرقة.. بل أن أجور الفنانات المشتركات في العمل لا يدفعها وأن الحاج وحيد أحس أنه لو امتنع عن إعطائه سيتوقف العمل في غيابي. 
كان الرد الوحيد الذي أملكه هو إيقاف العمل فكتبت للحاج وحيد طلب بإنهاء التعاقد مع المسرح وأن المسرحية توقفت من تاريخه.

مر أسبوع ولم نصل إلى أي نتيجة وبدأت الشائعات أن الفرقة أغلقت أبوابها إلى الأبد.. وكنت قد قمت باستئجار مسرح كليوباترا في الأسكندرية لتقديم أول مواسم الفرقة المسرحية بمدينة الأسكندرية وكنت قد طلبت بعض التعديلات في المسرح. فلما نما إلى علم صاحب المسرح الخلافات القائمة أرسل تليغرافا يخبرني فيه أنه قد أتم عمل التعديلات اللازمة حسب الاتفاق ويطالبني بسرعة استلام المسرح فشهر اغسطس المتعاقد عليه قد اقترب. 
ما العمل.. نصحني بعض أصدقائي أن أهادنهم حتى ينتهي الموسم، وفعلا اجتمعت معهم وقلتلهم من حيث المبدأ فأنا موافق على أن نجرب هذا الوضع في الإسكندرية.. فإن ارتحنا إليه استمر هذا الوضع وإن لم يكن الوضع مريحا نحل الفرقة وأنا لا اطالب بأي ميزة أو أجز زائد نظير المسرحيات والديكورات.. سعدوا جدا بهذا الاتفاق غير أني فاجأتهم بأني من الآن عضو كبقية الأعضاء لي ما لهم وعلي ما عليهم، إذا من سيمول الفرقة ويدفع التزاماتها فالمطلوب الآن يشترك كل عضو بأن يدفع مبلغ من المال ليس بالقليل حتى ندفع إيجار المسرح ونقوم بالدعايا اللازمة، هنا أسقط في يدهم وقالوا طبعا مفيش مانع وهذا حقك ولا يمكن المناقشة فيه وطلبوا مهلة يومين لتحضير المبالغ اللازمة.
في اليوم التالي بعثوا من أخبرني أنهم قد كتبوا عقودًا معي وأنهم يحترموا هذه العقود وملتزمين بها إلى آخر يوم لإنتهائها، قلت ساخرًا لقد بليت العقود وشربت ميتها كما طلبوا وأني الآن كأي فرد منهم كانت عقودهم تنتهي 31 أغسطس.
تم افتتاح مسرح كيلوباترا في الخامس من أغسطس وقاموا بأداء واجباتهم على أكمل وجه ولم يثيروا اي مشاكل حتى كان اليوم الأخير من أغسطس، هنا قالوا لقد أدينا واجبنا وانتها عقودنا معك، كانت محافظة الاسكندرية مقررة للفرقة 40 جنيها إعانة ولكن كي أخذ هذه الإعانة لا بد من تقديم 30 حفلة ونحن فتحنا يوم 5 أغسطس أي قدمنا27 حفلة، وكان لابد من إتمام الثلاث حفلات المتبقية فقلت ما طلباتكم لإتمام الحفلات، قالوا نكون متساوين فيها.. ليست مشكلة.. وكانت هذه الحفلات أسوأ حفلات من يوم ما عملت.. فلما رأوا تدني الإيراد قالوا ليس لنا علاقة بهذه الحفلات.. قلت ماشي.. وانتهي موسم الاسكندرية بخيره وشره. 

 

 


مسرح متروبول.. 
عدنا إلى القاهرة وبدأت أفكر في تحقيق حلمي بأن أعمل على مسرح دائم على أن يكون على أسس سليمة غير التي كانت قائمة.. وأن يكون كل العاملين بالفرقة بأجور محددة.. وعقود ملزمة غير نظام النسب الذي كنا نعمل به.. والذي ورطني في كثير من المشاكل.. وقبل كل شيء لابد من البحث عن مسرح نستطيع أن نقدّم عليه مواسم طويلة.. وقد ظننت أني وجدت ضالتي المنشودة حينما عرض أحمد الحاروفي_ المتعهد لبناني الذي اتخذ من القاهرة مقراً له_ أن يؤجر لي سينما متروبول.. وهي سينما صيفية على أن يقوم بتحويلها إلى دار عرض مسرحي شتوي.. وكانت سينما متروبول قبل حريق القاهرة في يناير 52 دار سينما شتوي وفي حريق القاهرة دمرت تماما ثم أعاد أصحابها بناؤها كسينما صيفية. 
فرحت بالعرض وكتبنا عقد الإيجار الذي بمقتضاه سيتقاضي الحاروفي 30% من الإيراد على أن لا يقل شهريًا عن 600 جنيه.. بدأ العمل في السينما وأحضر الحاروفي مقاولاً لعمل عواميد حديدية حتى يتمكن من تغطية السينما.. وما أن بدأ العمل أن جاء أمر من البلدية بإيقافه.. لماذا؟ لأن المالك لا يريد تغيير السينما واتضح لي أني مستأجر من الحاروفي والحاروفي مستأجر من موزع سينمائي وصاحب دور عرض هو ماكس نصر.. وماكس مستأجر من المالك الأصلي..وظل هذا الصراع بين مالك الأرض من جهة وبين ماكس والحاروفي من جهة أخري وكلما أحضر الأخير أمر باستكمال العمل أوقفه الجانب الآخر بإشكال قانوني.. ظل هذا الصراع إلى أن انتهي الحاروفي من تغطية سقف السينما. 

 

 

 

أجور عالية
وبدأت أنا في تكوين الفرقة على أساس أجور ثابتة وتعاقدت مع فؤاد المهندس وخيرية أحمد وزينات صدقي وزوزو شكيب.. ثم تعاقدت مع الأستاذ محمد عوض الذي كان يعمل في هذه الفترة بمسرح الريحاني بأجر شهري 12 جنيه.. وكان يطالب مدير الفرقة طلعت حسن برفع مرتبه إلى 15 جنيها في الشهر والاستاذ طلعت غير موافق إطلاقا على هذه الزيادة المغالي فيها من وجهة نظره..
وكان الاستاذ أبو السعود الإيباري عرض أن يضم عوض إلى فرقة إسماعيل ياسين بمرتب قدره 20 جنيها. عرض على عوض الأمر فكتبت معه عقد بمرتب 25 جنيها.. وبدأت ألتقي بأفراد الفرقة الآخرين.. كل على انفراد.. واتفقت مع فؤاد راتب (بيجو) ومحمد يوسف (الفتوة) وأمين الهنيدي (فهلاو) وأحمد الحداد (الرغاية) ولطفي عبدالحميد (فتله) والدكتور شديد بمرتب شهري قدره 40 جنيها ولما عرضت على محمد أحمد المصري أبو لمعة المرتب فأصر أن يكون راتبه هو والخواجة بيجو 60 جنيها شهريا لكل منهما.. ولم يكن يدري أن بيجو قد مضي عقده وأوشكت على الإعتذار للمصري.. ولكن فؤاد راتب قابلني ورجاني أن أٌقبل عرض أبو لمعة ولا أخبر ولا أخبره أنه قد التزم بعقد بل أنه عرض على أن يتقاضي 20 جنيها فقط على ن أعطي أبو لمعة المبلغ الذي طلبه (وفاء الخواجة بيجو).. أمام هذا لم أجد وسيلة إلا أن أعطي أبو لمعة ما طلب وتلك كانت غلطة كبيرة. 

بدأنا الأستعداد لتقديم المسرحية الافتتاح وكنت قد كتبتها ليقوم ببطولتها فؤاد المهندس وهي من إخراج عبد المنعم مدبولي.. كانت المسرحية من ديكور واحد وكنا لا نستعين بمهندس ديكور ليصمم مناظر الرواية.. بل كنا نستعين برسام إيطالي يعمل في الأوبرا يدعي لاريتشا.. وكانت من أفضل الرسامين ولم يكن الديكور يستعمل في مسرحية واحدة بل يتكون من عدة بانوهات بمقاييس مختلفة.. بعض البانوهات بها باب أو شباك وآخر به أرج وآخر ليس به شيء.. حتى يتمكن كل مخرج من تركيب الديكور كما يريد.. كنا نشتري 4 أو 5 أثواب دمور ونعطيها للاريتشا الذي يفضلها على حسب مساحة البانوهات المطلية ثم يرسمها رسما بديعا.. وبعد ذلك نثبتها على مراين الخشب وكان يتقاضي 25 قرشا عن كل متر مربع كما كان يرسم لنا فوندي أو منظر خلفي.. سواء كان منظرًا بيعا أو شارع أو حديقة بنفس السعر وكانت هذه الرواية هي (أنا مين فيهم) تمصير سمير خفاجي وإخراج عبدالمنعم مدبولي، تم افتتاح المسرحية لمدة شهر وحققت نجاحا لا بأس به ثم بدأت مسرحية جديدة. 

كنا حينما نبدأ أي مسرحية جديدة وعادة يكون الافتتاح يوم الخميس نبدأ فورا يوم السبت التالي لعمل بروفات المسرحية الجديدة، مما يتطلب منا مجهودًا كبيرًا وتركيزًا في العمل حتى اني كثيرا ما سألت نفسي كيف كان الجيل السابق يستطيع تقديم مسرحية كل أسبوع.. فقد كانت فرقة الكسار وفرقة يوسف وهبي وفاطمة رشدي يقدمون مسرحية جديدة كل أسبوع.. وغالبا كما كان هند الكسار ما تشمل المسرحية على ألحان واستعرضات والآن يستمر عرض المسرحية لعدة سنوات ونقول كيف كنا نقدم في الماضي مسرحية كل شهر.

كانت المسرحية الثالثة للفرقة واسمها (الستات ملايكة) لم نتمكن من تقديمها في موعدها إذ أن المسرحية كانت من تأليفي أيضا ومدة الشهر لم تكن كافية لتأليف مسرحية وإخراجها والانتهاء منها في مدة شهر.. فعرضت على فؤاد المهندس أن نعيد تقديم (مراتي صناعة مصرية) أو مسرحية (ما كان من الأول) لكنه رفض وأًصر على الرفض فتعجبت من هذا الموقف، كيف يرفض فؤاد المهندس وهو العاشق للمسرح وبعد ذلك علمت، لقد كان فؤاد المهندس متزوجا من سيدة فاضلة ليس لها أو لعائلتها أي صلة بجو المسرح ولا الفن وقد تزوج فؤاد هذه السيدة لشدة شبهها بالسيدة أم كلثوم.. ولم يكن لفؤاد قبل زواجه أي علاقة نسائية أو أي قصة حب وكانت السيدة زوجته تغير جدا عليه.. وتغير جدا من المسرح، فوجهة نظرها أن الممثل إذا قدم عملا جديدا يرتبط به ويقيم في المسرح أكثر ما يقيم في منزله ومع أهله بيته، وأنه طول عرض المسرحية والألفة التي تنشأ بين أفراد الفريق قد تعرضه للإعجاب بإحدى زميلاته في العمل واستلطافها.. وربما دخل في قصة غرامية إن السينما مدة العمل فيها محددة بمدة تصوير الفيلم فقط والكل يذهب لحال سبيله، لذا تكون قلقة طوال عرض المسرحية وكما قال يوسف وهبي ما الدنيا إلا مسرح كبير فإن ما كانت تخشاه السيدة تحقق بحذافيره فيما بعد.

 


فأثناء تمرينات الستات ملايكة بعت حفلة لأحد المتعهدين على أساس أن نقدم مسرحية "أنا مين فيهم". وتحدد لها موعداً قبل عرض مسرحية "الستات" بيوم واحد. وعلى ما أتذكر كان ذلك أول أيام العيد. وأخبرت فؤاد بموعد العرض، ولكنه اعتذر لارتباطه بالاشتراك في حفل أضواء المدينة وكان مقاماً في دمشق في سوريا ومعه بطلة العرض خيرية أحمد.. اتصلت بالمتعهد كي أقنعه بالموافقة على تقديم مسرحية آخري حتى ولو كانت المسرحية الجديدة "الستات ملايكة"، ولكنه أصرّ على "أنا مين فيهم". لم أدري كيف أتصرغ بهذا الموقف. وكنت أوشك أن أبلغ المتعهد بإلغاء العقد وأن يلجأ للقضاء إذا شاء.. وإذا بالسيدة زينات صدقي تقولي ولا يهمك عندك ممثل زي الفل ودمه خفيف اسمه محمد عوض.. يقوم بدور فؤاد المهندس وتقوم سهير الباروني بأداء دور خيرية أحمد.. حاول عوض الإعتذار وكنا نقوم بعمل تمرينات "الستات ملايكة" التي هو بطلها. وأمام إصرارنا امتلاء المسرح عن آخره بالمتفرجين وما إن ظهر عوض على المسرح حتى قوبل من الجمهور باستنكار شديد.. وكلما حاول أن ينطق انطلقت الصفافير من المتفرجين.. حاولنا تهدئة الموقف بأي طريقة حتى أن "مدبولي" بطل العرض وقف في الكواليس يلقن الممثلين نكت ليست بالمسرحية أصلا بلا أي نتيجة، ودخلت زينات مرتدية فستان ماركيزة وهذا ليس بالعرض، فشتل كل محاولات تهدئة الجمهور الذي بدأ في تكسير الكراسي ولم نجد تفسيراً لما حدث، وأسدلنا الستار وأعلنا للجمهور انه يستطيع ان يتوجه لشباك التذاكر لاستبدالها في أي يوم آخر أو استرداد ثمنها وطبعا كان المتعهد قد حصل الإيراد وانصرف ولم يأبه لما حصل. 

كانت حالتنا النفسية سيئة جداً خصوصا محمد عوض الذي سيقوم في اليوم التالي ببطولة مسرحية جديدة، كان منهاراً تماماً. ولقد أشفقت عليه وخفت في نفس الوقت. فقد كان وجهه أصفراً وجبينه يتصبب عرقاً والغريب أن قوة احتماله جعتله يتخطى الصدمة ويفتتح المسرحية الجديدة في الليلة التالية، كانت المسرحية بطولة محمد عوض وزينات صدقي وأحمد الحداد ومحمد يوسف والدكتور شديد وخيرية أحمد التي وصلت من الطائرة على العرض مباشرة (الستات ملايكة). 

قدمنا المسرحية لمدة شهر واحد وكنا نستعد بالتمرينات لتقديم مسرحية اسمها (طلعلي في البخت) وكنت أنا كاتبها أيضا ومن إخراج عبدالمنعم مدبولي. وكان يقوم ببطولتها محمد عوض وماجدة الخطيب وأحمد الحداد ونبيلة السيد وسهير الباروني ومحمد يوسف والدكتور شديد. بداأ موسم متروبول في ديسمبر 1960 وانتهت في نهاية مايو 1961 حسب العقد المبرم بيني وبين الحاروفي.

 

 

التلفزيون المصري يصوّر
في 23 يوليو 1960 بدأ التلفزيون المصري إرساله وفوجِئت في أحد الأيام بمكالمة هاتفية أخبرني صاحبها أنه مدير مكتب الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام وقتها، وأن هناك موعد في الساعة 12 لمقابلة الدكتور بمكتبه في الإذاعة المصرية بشارع الشريفين.. اندهشت جداً فلم تكن تربطني بالدكتور حاتم أي علاقة ولم يكن لي علاقة بوزارة الإعلام.. ترددت في الذهاب خوفاً من أن يكون مقلباً دبره أحد الزملاء. فطلبت الإذاعة لأتأكد من الموعد، وعلمت بوجود الموعد فعلاً وذهبت متأخراً قليلا ووجدت أصحاب الفرق الموجودة في هذه الفترة مجتمعين مع الدكتور حاتم.

وكان هناك الأستاذ يوسف وهبي عن فرقة رمسيس والأستاذ بديع خيري عن فرقة الريحاني والأستاذ أبو السعود الإيباري عن فرقة إسماعيل ياسين.. والأستاذ زكريا سليمان عن فرقة المسرح الحر.. وأنا عن فرقة "ساعة لقلبك" المسرحية. وعلمت أن سبب الإجتماع هو إمكانية تصوير كل مسرحية.. ورأي الاستاذ بديع خيري أن السعر المناسب لتصوير المسرحية هو 500 جنيه ولم يعترض أحد إذ أن الدكتور عبدالقادر حاتم لم يعط أحد فرصة للإعتراض. فبمجرد نطق الأستاذ بديع بالرقم حتى وافق عليه الدكتور حاتم فوراً.. ومن ذلك اليوم أصبح سعر تصوير المسرحية هو هذا الرقم يدفعه التلفزيون المصري ويصورها هو بمعرفته ويسوقها ويعرضها في التلفزيون المصري، ويسوقها لجميع البلدان العربية والأجنبية لحسابه مدى العمر دون أن يكون للفرقة أي حق من الحقوق أو حتى الإعتراض. 

 



وكما علمنا أن الدكتور حاتم كان قد حدد السعر للمسرحية الواحد ب800 جنيه لذلك وافق فورا على عرض الأستاذ بديع طبعا هذا كان عرضا مجحفا فليس من المعقول أن تتنازل جميع حقوقك مدى الحياة في مقابل هذا المبلغ الذي وإن بدأ في ذلك الحين كبيراً إلا أنه في الواقع أقل من القليل، ولكن موضوع التصوير للتلفزيون كان جديداً علينا، فاعتبره الجميع مورداً زائداً. 

انتهى موسم متربول بخيره وشره، لكن الذي أستطيع قوله أنه قضي على جميع مدخراتي. فقد كانت النسبة التي يتقاضاها الحاروفي مجحفة خصوصا أنها مشروطة بألا يقل الإيجار عن مبلغ محدد هو 600 جنيه شهرياً فكانت هذه النسبة ترتفع في بعض الشهور إلى 1000 او 1200 جنيه، وفي شهر آخر تنخفض النسبة إلى 400 جنيه أو أقل فأضطر أدفع الفرق ليصل المبلغ إلى 600 جنيه علاوة أن المسرح كان سيئاً جداً. فأرضيته من البلاط وكذلك تغطيته لم تكن محكمة، فكان الهواء يتسرب من فتحات كثيرة من الثقوب التي في السقف وفي أيام المطر الشديد كان الماء يتسرب إلى المسرح مما أدى إلى إلغاء بعض الحفلات. وكانت حصيلة المسرحيات في هذه الموسم هي 3 مسرحيات جديدة هي (انا مين فيهم بطولة فؤاد المهندس وخيرية أحمد) و(الستات ملايكة) و(طلعلي في البخت بطولة ماجدة الخطيب ومحمد عوض وصلاح يسري) مع إعادة مسرحيتين سبق لنا تقديمهما وهما "ما كان من الأول" و"دور على غيرها". 

 


الموسم الصيفي
انتهى الموسم وبدأت في التفكير في الموسم الصيفي فكيف نقدم موسماً صيفيا والإمكانيات المادية غير متوفرة ولكني أصريت على تقديم موسم صيفي مهما كانت الظروف، وكنت أريد أن أقدم في الإسكندرية، علمت أن متعهداً يدعي عم جلال قد أستأجر مسرح كوتة في شهر أغسطس وعم جلال هذا لم يكن له أي تجربة مسرحية  فقد كان يشتري حفلة من أحد الفرق ويسوقها أو يحضر بعض المطربين والراقصات، يقدم حفلة يبيعها لإحدى الجمعيات الخيرية، قابلت عم جلال فأبدى استعداد لمعاونتي وإعطائي المسرح، عظيم ما المقابل؟ قال تدفعلي 700 جنيه قيمة الإيجار الذي دفعته علاوة على 3 حفلات من حفلات الفرقة يأخذها دون مقابل وأن تكون في أيام الخميس، أي أهم أيام الأسبوع، كما يكون مسؤولاً عن الدعاية في مقابل جنيهين في اليوم من يوم بدء العمل أي قبل بدء العروض بشهر على الأقل. كنت أتساءل: ما هذه الشروط المجحفة كيف لي أن أغطي هذه الالتزامات؟ ظللت متردداً في قبول هذا العرض فترة، لكن ما شجعني على القبول أن التلفزيون أتفق معي على تصوير 5 مسرحيات أي مبلغ 2500 جنيه، فقلت أن هذا المبلغ بالإضافة للإيراد يجلعني في بر الأمان فوافقت على العرض. 

 



بقيت عملية التمويل ماذ أفعل بها؟ عرفت إن أم إحدى ممثلات الفرقة ممكن أن تمدني بما يلزمني من النقود مقابل 5% فرحت لأن فوائد البنوك أكثر من هذا بكثير، ولكني فوجئت أن الخمسة في المئة هذه شهرية، ما هذه المصيبة؟ شهريًا أي 60% في السنة إنها مخاطرة وترددت كثيراً وجلست وحدي دون أن يعلم أحد بهذا العرض وقلت لنفسي لن أخذ هذا المبلغ أكثر من شهرين قبل نهاية الموسم بشهر وفي نهاية العمل آخر أغسطس أكون سددت المبلغ بالكامل هو وفوائده حسبتها عن مدة الشهرين 10% اتكلت على الخالق وبدأت التحضير للموسم الصيفي. 
كنت قد تركت سكني مع يوسف بعد أن تزوج السيدة خيرية أحمد وانتقل ليقيم معها في شقة بجادرن سيتي. وقد ترك شقة شارع نوال لشقيقه، فأقمت بأوتيل يدعي لوكاندة باريس في شارع عبدالخالق ثروت وكان اوتيل من الطراز القديم مدخله من شارع عدلي ويطل على حديقة جروبي في شارع عدلي وبينهما ممر في اللوكاندة يؤدي إلى حديقة جروبي، كان عم جلال يحضر إلى يومياً في مواعيد مبكرة جداً. غالبا ما أكون نائماً في هذه المواعيد ويطلبني في الغرفة فاستقيظ ويتنظرني في حديقة جروبي إلى أن أرتدي ملابسي وألحقه في جروبي وما إن أنزل حتى أجده يتناول الفطور ويشرب الشاي في جروبي على حسابي طبعا، ثم يبدأ في طلب مبالغ تارة لأن المطبعة عايزة دفعة تحت الحساب لإعلانات اليد، وفي يوم آخر الخطاط يريد دفعة من حسابة لكتابة الأفيشات ومرة يريد مبلغا من حسابه لأنه استئجار شقة بالإسكندرية، لأن الوقت قد أزف ويريد أن ينتقل إلى الإسكندرية وبهذه الحيل استطاع أن ياخذ مني مبالغ كبيرة. 
بعد ذلك كان لابد أن انتقل إلى الإسكندرية لعمل ترتيبات الافتتاح، وإعداد المسرح ولم يكن من السهل أن أترك الأوتيل نهائيا ففيه جميع ملابسي وأشيائي الخاصة وبه كتبي وهي كثيرة جداً، فاضطررت لترك كل شي في حجرتي بالأوتيل وأخذت فقط ما يلزمني خلال مدة إقامتي في الموسم الصيفي. 
المزيد في الحلقة العاشرة
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


فيديو

جمهور جرش يتحول الى كورال للفنان وائل كفوري
المزيد..
في ترفيه