قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

وارسو: تعود أجواء موسيقى "المازوركا" البولندية الشعبية الحماسية إلى الواجهة في مشهدٍ يذكّر بحياة الفلاحين في القرون السابقة. حيث يرقص الأزواج على أنغام آلتي الاكورديون والكمنجة، ليخال المرء نفسه في منتصف القرن الماضي أمام المنازل الريفية في منطقة مازوفي قرب وارسو.

وعادت المازوركا التي كانت شارفت على الاختفاء لتبرز خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقد احيا هذه الموسيقى شغوفون بها وساهموا بنشرها من بولندا إلى بلدان أخرى.
والأمر سيان أيضا بالنسبة إلى الرقصة المرافقة لها و"هي ذات خطوات بسيطة وأفقية" على ما يوضح مصمم الرقص بيوتر زغورزيلسكي. حيث يطارد الأزواج بعضهم بعضاً ويدورون على أنفسهم "مثل الدراويش لكن ضمن ثنائيات، فالأهم هو التواصل الوثيق مع الآخر".
ويؤكد أن "الراقص الماهر كان قادرا على تأدية الخطوات مع كوب زجاجي على الرأس من دون أن تسقط قطرة واحدة من الماء".
وفي ذات السياق، تقول اغاتا كوتليكا، وهي مدربة نطق لوكالة فرانس برس "هذا الفن يدخلنا سريعا في حالة انخطاف تُنسينا أنفسنا".

كميتا
ويقول يان كميتا (83 عاما) أحد آخر أرباب المازوركا أنها "كانت أصبحت طي الماضي. لكني عندما أرى كل هؤلاء الشباب الذين يأتون لتعلمها أنسى سني المتقدمة". فهو يمضي ساعات في تعليم إيقاعات أجداده الحماسية للأجيل الطالعة. علماً أنه درّب نفسه بنفسه، وحصل على أول كمان في سن السادسة. وفي الثانية عشرة، عزف للمرةِ الأولى خلال حفلة زواج. فيما بقي منسياً لفترةٍ طويلة قبل أن تعثر عليه مجموعة من الشغوفين، لتجوب البلاد منذ ثلاثين عاماً بحثاً عن موسيقى تقليدية.

ويشير "كميتا" إلى أن آخر آثار للمازوركا بقيت حتى الثمانينات في مناطق نائية في مازوفي، لكنها استمرت وسط عدم المبالاة، لا بل واجهت استهزاءً عاماً. حتى أننا أصبحنا نشعر ببعض الخجل منها رغم كونها جزءاً من تراثنا الموسيقي. إلا أن هذا الانطباع السلبي لديه تلاشى مع الحفلات الراقصة واللقاءات مع محبيها الجدد. ويقول "إنها البداية. المازوركا ستستمر. شارفت على الاندثار إلا انها حية من جديد. وللمفارقة، يحصل ذلك في المدن".


روش
نيكولا روش، عازف الكمان الفرنسي الذي أتى من منطقة سيفين، في ختام ورشة تدريب بإشراف العازف المسن "كميتا" في إطار مهرجان، يرى أن "كل مازوركا العالم" في وارسو. ويشير إلى أن المازوركا البولندية "لا علاقة لها" بتلك المنتشرة في فرنسا وأماكن اخرى. وهي تسمى في بولندا احيانا مازوكا أو أوبيريك.
ويضيف أن "معزوفات شوبان التي تتخللها المازوركا معروفة جداً. وهناك كثيرون يرقصون على أنغام هذه الموسيقى في مناطق فرنسية وحتى في القارة الأميركية. لكن في بولندا تتمتع بصوت خاص جداً ومزايا إيقاعية خاصة مع إبطاء وتسريع وإحساس مختلف".

بروسينوفسكي
ويذكر يانوش بروسينوفسكي المغني والعازف البالغ 50 عاماً، وهو من الأشخاص الذين يقفون وراء تجدد المازوركا: "في تلك الفترة، كان جميع أفراد الفرقة من سكان المدن، وكنا نفكر أنه ليس بمقدورنا أن نعزف إلا البلوز والروك والموسيقى الهندية. بحثنا مطولاً عن هؤلاء العازفين القدامى وكان اكتشافهم بالنسبة لنا، بمثابة اكتشاف اتلانتيس القارة المفقودة". ويضيف "تبين لنا أن بولندا ليست أرضاً للأميين في مجال الموسيقى، بل هي أرض الشعب الذي ينطق بلغة موسيقية أصيلة نهل منها شوبان لكي يبتكر لغته الخاصة".

جنود نابليون واللاجئون
ويفيد البعض بأن أولى آثار المازوركا تعود إلى وثائق موسيقية دينية تعود إلى القرن الخامس عشر، إلا أن الاسم ظهر للمرةِ الأولى في العام 1708 على ما يقول توماش نوفاك العالم الموسيقي في جامعة وارسو.
ومن ثم حمل الجنود البولنديون مع نابليون هذه الموسيقى أينما حلوا وصولاً إلى الكاريبي. وكذلك فعل الكثير من المتمردين البولنديين الذين لجأوا إلى فرنسا هرباً من جيش القيصر الروسي. فأصبحت المازوركا رائجة مع تحويرها وتبسيطها وتحديثها بحسب البلدان.

وفي بولندا، بدأت هذه الموسيقى تتراجع لتحل مكانها الأنواع المستوردة. حيث أن سكان الأرياف ظلوا يرقصون على أنغامها حتى الخمسينات من القرن الماضي إلا أن التراجع حصل سريعاً مع حلول الإذاعات والأنواع الموسيقية الجديدة.

يُذكر أنه أنه خلال الحقبة الشيوعية، بُذلت جهوداً لتحويل الرقصات الشعبية إلى "رقصات وطنية" واستمر أداؤها على المسارح. ونجد صدى لذلك في فيلم "كولد وور" لبافيل بافليكوفسكي الذي فاز بجائزة الإخراج في مهرجان "كان" ورُشح لجوائز أوسكار في العام 2018.