هي لؤلؤة ضاربة في جذور التاريخ وفردوس يعجّ بمرايا ومحطات الذاكرة الإنسانية لاسيما في القارة السمراء، إنّها quot;تيبازةquot; المدينة الأثرية العتيقة في الجزائر، التي تكتنز أسرارا مخبوءة منذ 20 قرنا، على نحو جعلها بوّابة حقيقية للتاريخ الأفريقي، وهي فوق ذلك من أجمل المواقع السياحية التي يُنصح بمراودتها، وتستكشفها quot;إيلافquot; في هذا التحقيق.


على مبعدة 90 كلم غربي العاصمة، تتراءى مدينة تيبازة الساحلية التي تستوعب ضفافها ثروة تاريخية هائلة، ويمثل المكان تحفة فنية يعجز اللسان عن وصف سحرها والتغني بجمال أطلال تختزن الكثير عما انتاب مسار الإنسان الافريقي منذ القرن الأول الميلادي.
يشير بوجمعة أصيل المنطقة، إلى امتزاج تلاوين تيبازة بين هالة رملية سحرية وخضرة الأشجار، إلى جانب زرقة المياه التي تجعل الزوار يعايشون حلما خارقا مجمّلا بعذرية المكان في لوحة آسرة متشامخة كلآلئ مفروشة ببساط نباتي ومتفجرة بموروث ثقافي غزير الأسرار.
رواق فني مفتوح
تستقطب المدينة مئات آلاف السواح، حيث تتألق تيبازة بمدرج الألعاب الكائن في الحديقة الأثرية، هذا المدرّج يشّدك بوسطه وشساعة مساحته المنبسطة التي لطالما تموقعت كحلبة نزال شرس بين المبارزين الرومان والأمازيغ وسائر الأفارقة، كما أنّ المدرج ذاته ظلّ مسرحا للحيوانات ورواقا فنيا مفتوحا تقام فيه مختلف الألعاب الترفيهية والأنشطة الاستعراضية.
يُبرز دليلنا quot;عمارquot; إلى المعبدين العتيقين وإصرارهما على البقاء رغم ثقل السنين، الأول يُعرف محليا بـquot;المعبد المجهولquot; الذي لم يحافظ سوى على بضعة أعمدة شامخة وقواعد منتصبة، أما الثاني فيُطلق عليه مسمى quot;المعبد الجديدquot;، ولا تزال باحته الكبرى كما بلاطه في وضع جيّد، ولم يطله التلف رغم انقضاء آلاف السنين. وثمة حي معماري فاخر في تيبازة، يُشتهر بكنية quot; بيت الجد رانياتquot;، هذا الأخير يعدّ علامة مميّزة على براعة مهندسي الرعيل الأول، ونعثر هنا على غرف جميلة متناسقة فسيفسائية، زادها رونقا إطلالتها على البحر، لكن ضيف quot;بيت الجد رانياتquot; يبقى على تعطش وشوق كبير لتفكيك ألغاز الماضي وفتح نافذة على ما كان يحدث داخل هذه القلعة المصغرّة.
تنجذب العيون والقلوب إلى تحفة متفرّدة هي quot;بيت الملكquot; أكثر الأماكن زيارة بحسب إبراهيم، صورية، وأحمد جيران البيت، ويفسّر هؤلاء جماهيرية المكان بكونه quot;سفينةquot; تمنح من يمتطيها شعورا مترعا بالسعادة يسافر به إلى رحاب الماضي، ويروي له فصولا من سيرة الرومان الذين استوطنوا الجزائر قبل نحو 1800 سنة.
وينتشي زوار تيبازة بسلسلة الحمامات الرومانية التي تمثل أفاريز حضارية قائمة بذاتها، شأنها في ذلك الكنائس الرومانية التي لم تكن بحسب الباحث quot;فريد سماعيليquot; مجرد فضاءات عبادة، بل جرى اتخاذها مقار اجتماعات وغرفا تجارية، فضلا عن استخدامها كمجالس قضائية.
وعلى منوال عديد المدن الجزائرية العتيقة، يحيط بتيبازة حزام من الأسوار المحصنة وتتوفر على أبراج مراقبة، ولطالما كانت هذه quot;الترسانةquot; وسيلة دفاع فعّالة صدّت قوافل الغزاة والمتربصين بالمنطقة طوال قرون.
غير بعيد، توجد المقبرة الرومانية التي تتخلل أضرحتها المتعددة الأشكال، تشكيلة متكاملة من النباتات والأشجار، ويحتوي المكان على قبر ملكة موريتانية قديمة، فضلا عن مقابر خاصة بملوك وحكماء المدينة وأخرى خاصة برجال الدين، في وقت يشير دليلنا عمار إلى طائفة من قبور أخرى للخدم والفقراء. ولأنها مدينة الابداع كدأبها دوما، لا يزال مسرح تيبازة متوهجا بمدرجاته النصف دائرية، ومنصة quot;الأوركستراquot; التي تداولت عليها أجيال من الفنانين، وبمحاذاة المسرح، تتراقص الينابيع بكل ما ترمز إليه من موئل للانتعاش والراحة، على غرار quot;النافورة الرومانيةquot; المفضّلة في مُجمل مدن البحيرة المتوسطية.
ويكتمل هذا الديكور الطبيعي الهامس بربوة quot;الفورومquot; (المنتدى) ويتعلق الأمر بساحة واسعة ظلت تستعمل كسوق عمومية امتدت إلى مستوى توظيفها كبورصة مال وأعمال، قبل أن تتحوّل لاحقا إلى مقر لمجلس الشيوخ، واحتضن هذا الصرح التاريخي أيضا المحكمة المدنية التي تبقى أطلالها شاهدة على بناية كانت مكوّنة من أجنحة منفصلة لا يزال نصفها أعمدتها منصوبا.
روضة أثرية
تزخر تيبازة بمتحفها الفسيح المتأسس سنة 1955، ويوحي بناؤه بدار رومانية واسعة الدور بغرف تطل مباشرة على الفناء، ويضمّ هذا المتحف المجاور لمرفأ المدينة، قاعة عروض ومكتبة وكوكبة من التحف والنباتات كدلاء الماء وجرّات حفظ الزيت والخمور، علما أنّ هذه المواد كانت تصدر إلى أوروبا عبر مرفأ تيبازة منذ الزمن القديم.
المعلم الأكثر تدفقا في المتحف، هو مكتبة ثرية بصنوف من الكتب والمجلدات النادرة، مثلما تتواجد في المتحف نصب جنائزية وجداريات باهرة الألوان، فضلا عن قطع رخامية عالية الجودة، وعند عبور العتبة تستهوي الزوار أيقونة مسماة quot;فسيفساء الأسرى quot; أو quot;فسيفساء المكبّلينquot;، تقول quot;خيرةquot; الناشطة في المتحف إنها تعود تاريخيا إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وتمتاز بواقعيتها الكبيرة، وجرى الاتيان بها من الكنيسة المدنية، والمثير أنها بقيت محافظة على أصالتها.
تقول مديرة المتحف quot;دليلة زبدةquot; إنّ الحجم الضخم للمجموعات الأثرية المترامية في المتحف نتاج لحفريات وبحث مضنٍ استمر أعواما طويلة، منوّهة أنّ ما ينطوي عليه المكان يحكي أشواطا عن كل الحضارات التي مرت على الجزائر من الحقبة البونيقية إلى الليبية، وصولا إلى الرومانية، المسيحية والبيزنطية.
يحفل المتحف بآثار زجاجية بديعة وتابوتين رخاميين لا يقلان بهاء، نُقشت على الأول أسطورة بيلوبس، بينما حمل الثاني لوحة رمزية تشير إلى quot;آلهات بحريةquot;، كما تثير الانتباه تشكيلة هامة من النقود القديمة وأشكال زخزفية ونقوش حجرية، وكذا تزاوج رائع بين الفخار والزجاج ممثلا في آوانٍ منزلية مصنوعة من الفخار وتوليفة من كؤوس وقدور القرن الثامن عشر، فضلا عن مزهريات، ومصابيح متنوعة الزخارف والأشكال.
ويتوفر المتحف على نصب تذكاري لأحد الكهنة وآخر جنائزي لفارس روماني، إضافة إلى آثاث جنائزي ومجسمات، تماثيل ورموز هندسية حربية تعكس تاريخ وثقافة جزائريي ما قبل التاريخ. تيبازة لوحة تاريخية نادرة باتت مهددة اليوم بشبح الإهمال ومطرقة التناسي وهاجس النفايات، ما يهدد بلسان الغيورين، بانتقاص جمالها الفتّان وتشويه هذه الحديقة الأثرية الخالدة.