اجتاحت العالم العربي موجة هلع غير مبرر مما يسمّى المخدرات الرقمية، التي لا دليل علمي على وجودها، بينما ثمة أكثر من دليل على اتخاذها ذريعة لتقييد حرية الانترنت.


مروان شلالا من بيروت: بدأ الأمر مع تقرير بثته وسيلة إعلامية لبنانية، وانتهى إلى حالة ذعر أهلي يجتاح الدول العربية. ففي التقرير المصوّر، ظهر شاب "محشش"، كما يقال باللهجة اللبنانية، إلا أن "تحشيشه" لم يكن بحبوب الهلوسة، ولا بالشم أو الحقن، إنما بسماع مقاطع موسيقية يتم تنزيلها من مواقع إلكترونية، سماها التقرير بالمخدرات الرقمية، أو "ديجيتال دراغس"... واصفًا هذه المخدرات بأنها "الخطر المستتر" الذي يغزو لبنان.

هلع عام
دبّ الهلع في قلوب الأمهات، وبدأن يسترقن السمع إلى ما يستمع إليه أولادهن من موسيقى. وانتقل هذا الهلع إلى دول الخليج، على الرغم من أن مسؤولين سعوديين أكدوا أن هذا النوع من "المخدرات" غير موجود، بينما أُعيد إحياء نقاش إماراتي حول دراسة نشرت في العام 2012، أشارت إلى أن خطر الظاهرة يتجلى في أنها تعبّد طريق المراهقين إلى تجربة المخدرات الحقيقية، سعيًا إلى انتشاء تفشل المخدرات الرقمية في توفيره.

تجمع التقارير على أن ما يعرف اليوم بالمخدرات الرقمية يعتمد على تقنية النقر بالأذنين القديمة، التي اكتشفها العالم الألماني هنري دوف في العام 1839، وتم استخدامها للمرة الأولى في العام 1970 لعلاج الأرق والتوتر.

ذريعة لحجب مواقع
أكدت دراسات عدة أن التهويل بهذه الظاهرة وتصنيفها ضمن المخدرات ليس إلا سبيلًا لاتخاذها ذريعة لتشريع قوانين كابحة للحرية، تمامًا كما فعل وزير العدل اللبناني أشرف ريفي، الذي بادر سريعًا إلى حجب مواقع "مشبوهة" موسيقيًا.

في بيان مشترك، شجبت المنظمة العربية للمعلوماتية والاتصالات والجمعية المعلوماتية المهنية في لبنان والتحالف العربي لحرية الإنترنت والتحالف اللبناني للإنترنت قرار ريفي بحجب بعض مواقع الإلكترونية بحجة المخدرات الإلكترونية.

وقالت المنظمات الأربع في بيانها: "المخدرات الرقمية هي ذبذبات الصوت، دلتا وثيتا وألفا وبيتا، وليس هناك أي دليل على أنها تسبب الإدمان، بل تسبب النعاس أو اليقظة الشديدة أو الدوار أو الارتخاء والسكينة، بعد الاستماع إليها مطوّلًا".

عدو ما يجهل
وذكر العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الدول العربية أنهم استمعوا لهذا النوع من المخدرات المزعومة، لكنهم لم يصابوا بأي أذى أو إدمان، بينما هناك عدد أكبر لا يعرف حقيقة الموضوع بشكل علمي، فيصابون بالذعر.

وعلى هاشتاغ #المخدرات_الرقمية، ظهرت تغريدات محذرة من هذا النوع من "التحشيش"، بسبب سيطرة هذا الذعر، من دون أي دليل علمي على الموضوع. فأكدت الدكتورة سعاد العريفي أنها خطرٌ جديد يهدد الناشئة على مواقع الشبكة، "وتؤكد هذه المخاطر المتجددة على ضرورة تربية أولادنا على التقوى والتفكير الناقد".

وطالب إبراهيم بن ناهض مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بحجب المواقع التي يتم تحميل المخدرات الرقمية منها، على الرغم من نشر العديد من المقالات العلمية على الهاشتاغ نفسه، تحذر من وقوع الجميع في حفرة تحفر لحرية الوصول إلى الانترنت، من خلال ترهيب عالي النبرة، ينبري المرء إلى لعب دور الرقيب على تفسه، من دون أن يعلم، مدفوعًا بخوف الوقوع في فخ المجهول.&