تراهن إيران على التعاون الاقتصادي والتجاري مع تركيا لكسر عزلتها الدولية التي فرضها عليها الملف النووي، خصوصًا بعد زيارة روحاني إلى أنقرة، وتعهد الرئيسان التركي والإيراني بزيادة التجارة الثنائية بينهما إلى 30 مليار دولار بحلول العام المقبل تجسيدًا لنوايا صادقة بإعادة العلاقات كما كانت قبل الأزمة السورية والربيع العربي.


قام الرئيس الإيراني حسن روحاني في الشهر الماضي بزيارة إلى بلد غير متوقع هو تركيا. وأتت زيارته إلى أنقرة في حزيران/يونيو، وهي الأولى على هذا المستوى منذ نحو 20 عامًا، بمثابة تطور مهم في العلاقات الثنائية بين البلدين.&

تنبع أهمية الزيارة من حقيقة التوتر الذي اعترى العلاقات بين أنقرة وطهران في الفترة الأخيرة بشأن جملة قضايا، من إمدادات الطاقة إلى دور تركيا في الدرع الصاروخية لحلف الأطلسي.

سوريا فرقتهما
لكن ما من قضية بين هذه القضايا تضاهي اختلاف تركيا وإيران حول الأزمة السورية وتسبب جفاء بينهما. فإيران رمت كل ثقلها وراء النظام السوري منذ اندلاع الانتفاضة في سوريا قبل ثلاثة أعوام. في المقابل أصبحت تركيا معبرًا ومصدر دعم سياسي، ناهيكم عن دعمها اللوجيستي والمالي لفصائل المعارضة السورية على اختلافها، بما فيها جماعات إسلامية متطرفة احتضنتها حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أو غضت الطرف عن نشاطها في أحسن الأحوال. وكان لهذه المواقف المتناقضة أثر بالغ الضرر على العلاقات بين طهران وأنقرة.&

إلا أن هذه العلاقات لم تكن دائمًا بهذه الحال. فقبل اندلاع ثورات الربيع العربي في آذار/مارس 2011 كانت تركيا وإيران تتباهيان بعلاقة حميمة في مجالات واسعة. وخلال الفترة الواقعة بين 2000 و2010 ازداد حجم التجارة الثنائية عشرة أضعاف ليبلغ أكثر من 10 مليارات دولار.&

22 مليار دولار تبادل تجاري
واستمرت العلاقات الاقتصادية في التطور رغم الاختلافات السياسية، ويبلغ حجم التبادل التجاري الآن نحو 22 مليار دولار سنويًا، بحسب صحيفة واشنطن تايمز. كما إن إيران وتركيا على السواء تدعمان حركة حماس، فيما برزت أنقرة بوصفها مؤازرة لا تخفي دعمها لمحاولات إيران امتلاك قدرة نووية. ثم اندلعت الانتفاضة السورية لتحدث شرخًا عميقًا في هذه المشتركات.&

والآن أخذت العلاقات تعود إلى مجراها الحميمي السابق. إذ جرت زيارة روحاني لتركيا في الشهر الماضي على إيقاع إشادات أطنبت في التنويه بمتانة التعاون بين البلدين.& وتغنَّى الرئيس التركي عبد الله غول بعودة التحالف التركي ـ الإيراني إلى سابق عهده، منوهًا بمساهمات البلدين المفترضة في كل شيء، من مكافحة الإرهاب إلى إعلان الشرق الأوسط منطقة مجردة من السلاح النووي. وقال غول "إن علاقاتنا لا تقتصر على بلدينا، بل تتسم بأهمية للمنطقة والعالم أجمع".&

اتفاقات تعاون
لم يتوقف التعاون عند هذا الحد، بل وقع الرئيسان نحو 12 اتفاقية تعاون في مجالات متعددة، تمتد من التمويل مرورًا بالسياحة، وليس انتهاء بالاتصالات. كما أكد الرئيسان التركي والإيراني التزام بلديهما بزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 30 مليار دولار بحلول العام المقبل، وهو هدف اتفقت عليه أنقرة وطهران خلال زيارة أردوغان إلى إيران في كانون الثاني/يناير الماضي.&

ويرتبط شهر العسل التركي الإيراني بسياق دولي أوسع. فإيران تخوض غمار انفراج تاريخي مع الغرب نتيجة مفاوضاتها النووية مع مجموعة 5 + 1 التي تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا) زائد ألمانيا. وبدأت طهران تجني بالفعل ثمار هذا التقارب. فمنذ خريف العام الماضي تكفل تخفيف العقوبات الغربية بتحويل الاقتصاد الإيراني الذي كان كسيحًا إلى وجهة جذابة للبضائع والاستثمارات التركية، في انفتاح تتلهف حكومة أنقرة والشركات التركية لاستغلاله إلى أقصى درجة.&

كسر العزلة
في هذه الأثناء تراهن إيران على هذا التعاون تحديدًا للخروج من عزلتها كدولة منبوذة دوليًا، والعودة إلى الأسرة الدولية بوصفها دولة كسائر دول المنطقة والعالم. ومن المؤكد أن إقامة شراكة قوية مع تركيا، التي تعتبر من الاقتصادات الصاعدة في العالم، تقدم خدمة كبيرة إلى القيادة الإيرانية لتحقيق هذا الهدف.&

وتوفر هذه التطورات مجتمعة الأساس لإقامة محور إيراني ـ تركي، في وقت تحاول أنقرة وطهران اغتنام هذه الفرصة لتعزيز مواقع كل منهما في المنطقة. ويمكن أن تشكل حصيلة مثل هذا المحور مرحلة جديدة في ما يمكن أن تكون واحدة من أهم الشراكات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، على حد تعبير صحيفة واشنطن تايمز.&
&