إعداد عبد الإله مجيد: أكد الاتحاد الدولي للكيمياء الصرفة والتطبيقية اكتشاف اربعة عناصر جديدة صُنعت كلها في المختبر، واشارت تقارير الى ان هذه العناصر "تُكمل" الجدول الدوري للعناصر الكيمياوية المعروف ايضا بـ"جدول مندليف". ولكنها كانت مخطئة في الحديث عن استكمال الجدول ويمكن ان نتوقع انشاء عناصر جديدة بعد الوجبة الأخيرة التي أُضيفت الى الجدول الدوري في 30 كانون الأول (ديسمبر) 2015.&
&
ولكن ما تستكمله العناصر الأربعة الجديدة هو الصف السابع من الجدول الدوري. &وحين يصل العدد الى العنصر 119 أو 120 يبدأ صف جديد منها، ولا أحد يعرف الى أي مدى يمكن توسيع الجدول الدوري بصنع عناصر جديدة. &ويقول البعض بعدم وجود حدود، فيما يرى البعض الآخر انه قد يكون هناك حد لا يمكن ان يزداد بعده ثقل الذرات، وان مثل هذه الذرات ذات الوزن الثقيل ستكون بلا أي استقرار، بل تتحلل فورا الى موجة من الإشعاع.
&
أهمية بالغة
&
ولكن ما يعرفه العلماء على وجه التأكيد أن العناصر الثقيلة التي تُصنع في المختبر تتصرف بطرق غريبة حقا. ويتكون العنصر الذي يشكل لبنة بناء علم الكيمياء من ذرات ذات نوع واحد، وبالتالي فان صنع عنصر جديد يعني صنع ذرة من نوع جديد.
&
ولكل عنصر رقم مثل الكربون الذي رقمه 6. ولكن هذه الأرقام ليست يافطات اعتباطية بل ذات أهمية بالغة فهي تحدد عدد البروتونات في نواة الذرة، فالبروتون جسيم ذو شحنة موجبة، وتتجمع البروتونات في نواة الذرة التي تدور حولها الالكترونات الأخف وزنًا بكثير، لكنها ذات شحنة سالبة تعادل شحنة البروتونات. &
&
وباستثناء ذرات الهيدروجين فان النوى الذرية كلها تحوي نوعا ثانيًا من الجسيمات هو النيوترون الذي له كتلة مساوية تمامًا لكتلة البروتون، لكنه لا يحمل أي شحنة كهربائية، ويمكن للذرات ان تحوي اعدادًا مختلفة من النيوترونات وتسمى هذه الأنواع المختلفة "نظائر".&
&
ولولا النيوترونات لتباعدت البروتونات عن بعضها البعض بسبب شحنتها الكهربائية، ولكن نوى ذرات ثقيلة مثل اليورانيوم تزدحم بالبروتونات المتنافرة، بحيث ان النيوترونات مهما كثر عددها لا تستطيع منعها من التباعد عن بعضها البعض. وتتعرض هذه الذرات الى التحلل الاشعاعي، أي انها تشع جسيمات وطاقة.&
&
اندماج
&
وعندما تتحلل الذرة يتغير العدد الاجمالي لبروتوناتها وبذلك تعمل عملية التحلل الاشعاعي على تغيير العنصر ليصبح عنصرا آخر. وقد يبدو هذا غريبًا، ولكنه ظاهرة تحدث طول الوقت حتى في بعض الذرات في اجسامنا.&
&
وتوجد في كل نواة نسبة مثلى من البروتونات الى النيوترونات وبالتالي ستتحلل الذرة إذا كثرت نيوتروناتها أو قلت حتى إذا كانت النواة صغيرة، وتبلغ النسبة 1 الى 1 في العناصر الخفيفة مثل الكربون والاوكسجين، ولكن العناصر الأثقل تحتاج الى عدد أكبر بعض الشيء من النيوترونات.&
&
ولا تستطيع العمليات الطبيعية التي تحدث في الكون إلا انتاج عناصر ذات ثقل محدد، وكانت العناصر الخمسة الأخف وزنا، من الهيدروجين الى البورون نتائج الانفجار الكبير الذي اطلق بداية نشوء الكون. &&
&
وتعين ان يُصنع أي عنصر أثقل من هذه العناصر داخل النجوم. فدرجات الحرارة العالية والضغط العالي فيها تدفع نوى الذرات الخفيفة الى الاندماج، وتستطيع النجوم الكبيرة انتاج عناصر ثقيلة بعملية الدمج هذه مثل الزئبق الذي في نواته 80 بروتون.&
&
ولكن العديد من عناصر الجدول الدوري تُصنع في البيئة شديدة الحرارة للنجم المتفجر أو "سوبر نوفا" (المستعر الأعظم أو الطارف الأعظم). &ويمكن لكميات الطاقة التي تحررها هذه العمليات ان تنتج انواعا جديدة من الاندماج حين تصطدم الذرات ببعضها البعض لانتاج عناصر ثقيلة مثل اليورانيوم الذي تضم نواته 92 بروتون.
&
وتحتاج هذه التفاعلات الاندماجية الى كميات هائلة من الطاقة لأن الذرات ذات الشحنة الموجبة تتنافر ويجب ان تنطلق النواة بسرعة كبيرة حقا لاختراق هذا الحاجز والاندماج مع ذرة أخرى.&
&
ونتيجة لذلك فان اليورانيوم هو اثقل العناصر الموجودة بكميات كبيرة في الطبيعة. &ولم تُكتشف عملية في الطبيعة تصنع عنصرا اثقل منه. لذا عندما يريد العلماء صنع عناصر جديدة عليهم ان يستخدموا معجلات لدفع الذرات المتصادمة الى سرعات هائلة قد تبلغ عُشر سرعة الضوء.
&
وحدث هذا أول مرة في عام 1939 عندما صنع علماء في جامعة كاليفورنيا في باركلي العنصر 93 الذي سُمي نبتونيوم، وكان الاميركيون متقدمين في البداية واسفر هذا التقدم عن صنع العناصر 95 و97 و98 ، وهي اميريسيوم وباركلينيوم &وكاليفورنيوم.&
&
ولكن عناصر اخرى وُجدت بطريقة مغايرة تماما، وعثر عليها في مخلفات الاختبارات النووية الاميركية في الخمسينات، وصُنعت هذه العناصر من اليورانيوم في "فتيل" القنابل خلال الانفجارات الكبرى. &
&
ونتيجة لذلك أُطلقت على العنصر 99 والعنصر 100 اسماء اثنين من رواد علم الذرة هما آينشتاينيوم كناية بالعالم الشهير البرت آينشتاين وفيرمينيوم كناية بالعالم انريكو فيرمي. &
&
ومع تصاعد الحرب الباردة اشتدت المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على صنع عناصر جديدة واسفرت عن نزاعات مريرة على الأولوية في انتاج عناصر جديدة وتسميتها. وما زالت هذه النزاعات قائمة حتى اليوم. &
&
حالة استثانية
&
وعلى سبيل المثال ان الروس اعترضوا على تسجيل العنصر 113 باسم فريق ياباني من العلماء وسُمي جابانيسيوم، ويقول الروس انهم اول من صنعه في عام 2003 بتحطيم ذرة الكالسيوم الى اميريسيوم، وان التجربة اليابانية أُجريت بعد عام باطلاق ايونات الزنك في البزموث.&
&
وتُكتشف العناصر الجديدة عموما في ذرة واحدة كل مرة من خلال طريقتها المتميزة في التحلل الاشعاعي. &فان لكل نظير طريقة تحلل مختلفة ويتحلل بمعدل خاص به يُقاس على انه نصف حياة العنصر وهو الوقت الذي تستغرقه العينة المشعة لتحلل نصفها.&
&
إزاء هذه التعقيدات قد يبدو اننا نصل الى الحد الأعلى لحجم الذرة.&&لكن هناك سببا وجيها للمضي قدما الى الصف الثامن في الجدول الدوري. والسؤال هو ما إذا كان هناك حد تكون الذرات بعده ثقيلة بحيث لا تستطيع الوجود. &
&
تمخضت التجارب التي اجراها الفيزيائي الاميركي ريتشارد فيمان للتأكد من ذلك عن اشياء غريبة منها ان زوجا من الجسيمات يمكن ان يظهر الى الوجود من لا شيء ، احدهما من المادة والآخر من المادة المضادة. &وعادة يصطدم الاثنان ويفني احدهما الآخر.&
&
واتضح ان الكترونات المدار الأقرب الى النواة في العنصر 173 قد تكون في حالة استثنائية من عدم الاستقرار بحيث تؤدي الى ظهور هذه الجسيمات "الافتراضية". &
&
وإذا أُخرجت هذه الالكترونات من قشرتها بوابل من اشعة أكس فانها ستترك وراءها ثقبا يملأه الكترون يظهر من لا شيء. &ولكن لكي ينشأ هذا الالكترون يجب ان يتكون بوزيترون ينبعث من الذرة. &بعبارة اخرى ان الغيوم الالكترونية للعناصر الثقيلة حقا يمكن ان تطلق جسيمات من المادة المضادة.&
&
وبالتالي حتى إذا لم تكن هناك نهاية للجدول الدوري فان اشياء غريبة قد تكون بانتظارنا في صفوفه البعيدة. &وما إذا كان بمقدور العلماء استكشاف هذه العناصر المتناهية فان تلك مسألة اخرى تماما.&
&
&

















التعليقات