في ختام حفل تكريمه، حاضر المفكر السوداني منصور خالد في حضور كثيف، فقدم خلاصات تجاربه المميزة، كشف فيها عن نظرة ثاقبة، وعن نبوءات تحققت. وهو النخبوي الذي قال إن الصفوة هي أساس البلاء في المجتمع السوداني.
&
الخرطوم: على مدى يومين، كان الحدث الأهم في ليالي الخرطوم هو تكريم الدكتور منصور خالد، أحد أهم المفكرين السودانيين وأكثرهم تأثيرًا في مجريات الحوادث في بلاده، وأحد أهم الأدباء المنظرين في المحيطين العربي والأفريقي.
&
المربك المحير
ينتمي منصور خالد إلى الجيل "الاستقلال في السودان"، الذي عايش الاستعمار الانجليزي، وخرج إلى الحياة العامة في عقب خروجه من البلاد مباشرةً. تخرج منصور في عام 1954، إلا أن اللافت في سيرة هذا المفكر أن المشتغلين في السياسة في زمانه انقسموا شقين، يسار ويمين، على مختلف تفرعاتهما ومسمياتهما، غير أنه بقي على صراط مستقيم، لا يتخلى عن استقلاله الفكري، ولا ينتمي إلا إلى شذرات أفكاره، التي تتطابق مع فكره ومبادئه ورؤاه، ولعل هذه الخصلة جعلته مربكًا محيرًا لكثيرين، إلى يومنا هذا.
&
في الليلة الختامية للتكريم، قدم المفكر والمؤرخ السياسي منصور خالد محاضرة امتدت زهاء ثلاث ساعات، وسط حضور كثيف، قدم فيها خلاصات تجارب لم يخض فيها أحد من مواطنيه، وربما لن تتوافر لأحد من بعده، كشف خلالها عن قدرة فكرية هائلة، وعن نظرة ثاقبة من لدن مفكر ومراقب، وعن نبوءات قديمة ظلت تتحقق بسلاسة مذهلة، وكأن منصور خالد يستشرف الحجب.
&
الصفوة أساس البلاء
كان منصور في غاية التشاؤم إزاء إصلاح الحال في السودان، خصوصًا إن لم تتبدل طرائق التفكير والتعامل مع شؤون الناس. وتحول منصور من كونه مراقبًا إلى قاضٍ يُصدر الإحكام النهائية على ما جرى، وحسبك أنها لم تكن أحكامًا والسلام.
&
كان يستدل بحوادث ومشاهد، وقرآن وحقائق دامغة، لا يلتفت إليها الناس. وقال إن في طبع السودانيين استسهالًا "واستهبالًا"، وانتقد الصفوة التي تلقت تعليمًا جيدًا وتنقلت في الوظائف الحكومية وساقت الناس زرافات ووحدانًا باسم السياسة مرة، وباسم الدين مرات، مؤكدًا فرضيته القديمة أن الصفوة مؤلفة من فاشلين ومدمني فشل، تؤثر مواجدهم الشخصية في معظم الوقت في السياسة وحياة أهل السودان.&
&
استشهد بواقعة حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان في 1967، وقال: "كيف يرضى نواب منتخبون بطرد نواب منتخبين من البرلمان؟"، ومن بين هؤلاء محمد أحمد محجوب، صاحب كتاب في الديمقراطية وصاحب عبارة رائجة في السودان "أخطاء الديمقراطية لا تعالج إلا بمزيد من الديمقراطية".&
&
وساق عددًا من الشواهد، بينها محاربة الساسة اتفاقية أديس أبابا في عام 1972، التي كان منصور مهندسها الأوحد، إلى أن أفشلوها، ثم عادوا وتبنوا بنودها بعدما ذهب الرئيس جعفر نميري. قال: "كان يجب أن يقولوا للناس لماذا رفضوها، ثم لماذا تبنوها". وأكد أكثر من مرة أن الصفوة المنتفعة هي أسس البلاء.
&
رأيه صريح
تحسر منصور على فرص مهدورة كثيرة في تاريخ السودان، وعبّر عن أسفه وحزنه من انفصال جنوب السودان وتشرذم البلاد، لا لسبب غير سفه الحاكمين وضيق أفقهم. واعترف منصور اعترافًا نادرًا، وهو لا يُعفي نفسه من أي مسؤولية ولا بقدر قليل، ولا يتشفع بالهجرة ولا المنفى، ومن يعرفه يشهد أنه فارس في هذا المضمار، لا يجاري شجاعته في نقد نفسه مفكرٌ، ولا يقدر على الاعتراف بالمسؤولية عن التقصير من جيله أحد.
&
في سرده، انتظر الحاضرون حكمه في الإنقاذ، التي صافحها مع المناضل جون قرنق، المتمرد على حكومات الشمال في الخرطوم، وكان ذلك بعد اتفاق السلام. والمذهل أن رأيه فيها كان صريحًا إلى درجة ما توقعها أحد، واستخف بسياستهم الناس، مستشهدًا بالقوانين والأحكام، ومن بين ما أورده قانون النظام، وهو قانون يهتم بالمرأة وزيها وسلوكها في الشارع العام، ويفرض أن يكون زيًا إسلاميًا محتشمًا.&
&
المشرع الشهواني
أورد منصور ملاحظة وتعليقًا حول القانون الذي اتخذه مثلًا، الملاحظة أن الجدات والأمهات كنّ يتزيّنَّ بأزياء ضيقة وقصيرة تماشيًا مع السائر، وبهذا القانون كل الجدات والأمهات غير محترمات. والتعليق أن من وضع القانون شهوانيٌ، واستشهد بأحد أبطال رواية الطيب صالح الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال"، واسمه ودر الوراسي، الذي وصفه أحد شخوص الرواية بأن "عقله في رأس ذكره".
&
كان سردُ منصور أفكاره في حد ذاته إمتاعًا نادرًا ما يتكرر، وطاف بالحاضرين في ضرب المعرفة والثقافة التي نال منها الكثير، غير أنه ظل متشائمًا يائسًا من القادم، حتى ختم كلامه: "لكن لمن تعزف مزاميرك يا داود". بعدما انتهى، تحلق الحاضرون حوله يصافحونه بإعجاب شديد، فبادلهم منصور حبًا بحب، بعدما شكر من سهروا على تكريمه.
&