يتجاذب المجتمع التونسي اليوم صراعات ايديولوجية بين الاسلاميين والعلمانيين، وسط اصرار كل طرف على أحقيته في تمثيل الأكثرية بين المواطنين.

محمد بن رجب من تونس: منذ اندلعت شرارة ثورات الربيع العربي، اعتقد البعض أنّها فرصة تاريخية للشعوب العربية حتى تبني الديمقراطية والتنمية، لكنّ تجدّد صراع النخب العربية، بين قطبي العلمنة والأسلمة، وارتفاع حدّة الجدل، الذي بلغ حدّ العنف، جعل البعض يعتبر أنّ هذه الثنائية، واحدة من بين الأدوات التي استعملت للتحريض على مسارات ثورات الربيع العربي وإجهاضها، بينما تساءل آخرون عن إمكانية حدوث تقارب بين العلمانيين والإسلاميين، في ظلّ وعي البعض بحساسية المرحلة وخطورتها.&

وفي هذا الإطار، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد القوماني لـ "ايلاف"، أنه حين قامت الثورة التونسية وتلتها بقية ثورات الربيع العربي، تجمّعت الكلمة والرايات، حيث توحّدت الحركات الاجتماعية والسياسية ضد الاستبداد، وقد ظننّا أن الراية الوطنية كانت مخطوفة من طرف المستبدين، ولكن بعد رحيل رؤوس الاستبداد لاحظنا أن الشعوب استعادت بريقها ورايتها المخطوفة ليعتزّ بها الجميع، وبدأت عملية البناء الجديد ما بعد الاستبداد من أجل الديمقراطية وتحقيق التنمية، ولكن بعد أشهر فقط، فوجئنا بعودة الاستقطاب من جديد، بين ما سمّي بالعلمانيين أو الحداثيين والإسلاميين.

الثورة المضادة

واعتبر القوماني أنّ هذا الاستقطاب الجديد استفادت منه قوى مضادة للثورة، سواء من بقايا الأنظمة القديمة أو من القوى المتربصة بالثورة من الخارج واستطاعت أن تلعب على هذا الوتر والعمل على إسقاط ثورات الربيع العربي من هذا المدخل، وهذا ما تمت ملاحظته في تونس، وخاصة في مصر، حيث كان جلياً هذا الاستقطاب الكبير.

وأكد صاحب كتاب "ما بعد العلمنة والأسلمة.. مقاربات في الثورة والإسلام والحداثة" أنّ هذا الاستقطاب يمتدّ إلى نحو قرن، منذ ثلاثينات القرن العشرين إلى اليوم، ونحن نعاني من هذه الثنائية بين تيارات ومجموعات تريد علمنة مجتمعاتنا على الطريقة الغربية بالإسقاط، كما أن حركات الإسلام السياسي، عملت كردّ فعل على هذه العلمنة ورفعت شعارات تحكيم الإسلام، وشرع الله.

وأضاف أنّ الإشكال يتمثل في أننا خلال قرن تقريباً، استعملنا العنف، بما في ذلك العنف الذي استخدمته تيارات العلمنة أو العنف المضاد للدولة وتورطت في ذلك بعض الحركات الإسلامية، ولكن الشعوب لم تجن شيئاً من هذا "التيه" حيث لم تحقق لا علمنة ولا أسلمة لأنّ هذه النزعات غير متناسقة مع مجتمعاتنا، العصّية على العلمنة بالطريقة الغربية لأنّ الإسلام متأصّل فيها ومقوّم أساسي في الحياة، كما أنّ الأسلمة قد استعصت حيث كنّا نحتاج إلى تجديد ولا إلى أسلمة.

الاستثمار في المواطنة

من جانبه، اعتبر عبد الرزاق الهمامي، الأمين العام لحزب العمل الوطني الديمقراطي، أنّ هذه المسألة، في طرفيها، فيها الكثير من الافتعال، فواقع الأشياء أن المجتمعات تمرّ بمراحل تطور مختلفة، وكل مرحلة تتميز عن غيرها بما فيها من مضامين اقتصادية واجتماعية، وما يترتب عنها من بنافوقيةـ تجعل السائد الفلسفي والفكري والنظري، والسياسي، يرتبط بتلك المرحلة.

وأكد المحلل السياسي القوماني أنّ علينا &بذل كل الجهد للخروج من هذا الاستقطاب الذي امتدّ على مدى قرن كامل والذي أطاح بالثورات الحالية، لأنه بغير ذلك لا يمكن تحقيق أهداف الثورات العربية، ونبقى محكومين بالمشهد القصووي في دراما الإرهاب بين أنظمة استئصالية وبين حركات إرهابية، تحت عناوين مختلفة. وليس هناك أفق لبناء الديمقراطية وتحقيق التنمية إلاّ بالخروج من هذه الثنائية والاستثمار &في "المواطنة" التي كانت الحاضرة في الخطاب والغائبة في الواقع.

وأشار إلى أن كل محاولات التغيير كانت تستقرّ إلى تغيير الحكام دون أن يتغير الحكم، لأنّ المواطنة مفقودة لدى الحكام ولدى المحكومين، وهي جوهر الحياة السياسية لأنها تقتضي ثقافة تستوعب فكرة التعارض في الدولة والمساواة في الحقوق والواجبات واحترام الإرادة العامة وتطوير منظومة حقوق الإنسان، والتداول على الحكم..مثلما حصل في أوروبا.

الاستبداد المقلوب

وشدّد القوماني على أنّ هذا "الصراع المقيت" عطّل مسارات الانتقال الديمقراطي ولم تستثمر فيها لأن طرق المداخل الخاطئة للوصول إلى الأهداف أضاع كثيراً من الوقت دون ذلك، فنحن في حاجة إلى الديمقراطية، التي لا &تكون بطريقة "العلمنة القسرية" في مجتمعاتنا، وهي العلمنة الظاهرية، كما حصلت في تركيا أو بعض المحاولات التغريبية التي صنعت "حداثة قشرية" وخاصة الحداثة السياسية، التي صنعت بدورها الاستبداد الحداثي، مضيفاً بأنّ الأسلمة ليست الجواب المناسب لأنها تمثل نوعاً من "الاستبداد المقلوب".

أما &الدكتور الهمامي فقد أكد لـ"إيلاف" أنّ وضع المجتمعات العربية مختلف، مقارنة بما كان في أوروبا وحتى في أميركا، فالسلطة السياسية للدين بالمفهوم الذي عرفته أوروبا، لم يحصل عندنا، كما أنّ الوساطة، أو الكهنوت بيننا وبين الذات الإلهية، لم تعرفها مجتمعاتنا، من خلال إثر ثقافي مغاير تماماً، كما أنّ ما مررنا به من مراحل، في تطور مجتمعاتنا، مختلف، حيث كان بإمكاننا أن يكون لدينا تطور غير مشوّه، فقد تمّ التشوية والتدخل الذي حرّف كل شيء وسلّط علينا أموراً أفسد التطور التطبيعي، وتقف وراء هذا التشويه الظاهرة الاستعمارية التي شملت المجتمعات التي كانت تمثل الغنيمة التي ظفرت بها الدول الاستعمارية الكبرى في القرنين التاسع عشر، والعشرين.

وقد تأكد بعد عقود طويلة من الصراع أنّ الإسلام هو المقوّم الأساسي لهويتنا التاريخية، ولم ينجح القفز عليه، لا من طرف الاستعمار ولا بواسطة التغريب، لكن تبقى الحداثة مقوّماً أساسياً لهويتنا الجديدة لأن "الحداثة الغربية" ليست عنصراً خارجياً، ولكنها جزء من ذاتنا، وبالتالي لا بد من خلق التعايش الإيجابي بين هويتنا التاريخية وهويتنا الجديدة من أجل تحقيق وحدة الشخصية ونتصدى للتحديات التي تعيشها الأمة.

نخب ضلّت الطريق

وأوضح السياسي عبد الرزاق الهمامي أنّ الصراع فيه شيء من الواقعية، من خلال وقائع اجتماعية كانت دائماً توظف من قبل الدكتاتوريات التي سادت أو من قبل أطراف سياسية، برزت إلى السلطة، ومثلت البدائل، مشيراً إلى أنّ الشطط في استعمال الجانب الديني يثير ردود أفعال.

وأشار الهمامي إلى أنّه لا يجب المضيّ إلى مثل هذا المنحى لأنه ليس من مصلحة مجتمعاتنا أن يتم توظيف العقيدة السمحاء في الشأن السياسي فتكون موضع تجاذب فتفسد السياسية وتفسد الدنيا.

واعبتر القوماني أننا أمّة بقيت نخبها في أتون هذا التنافي، وضلت الطريق باستبعاد الإسلام من الحياة العامة وخاصة من الدولة، وفي أقصى الحالات القبول به كحاجة شخصية باعتبار تحميله سبب تخلّفنا، وكذلك الطرف الآخر يقول بأن الإسلام هو الحلّ برؤية لا تاريخية فأسقطوا نماذج قديمة وفشلوا في الوصول إلى تحقيق الهدف.

وأضاف الهمامي أنّ مجتمعاتنا مرّت بمراحل انتقالية وتطوّر، فيها قدر كبير من التشوّه، وهذا ما أخلط بين المفاهيم، مشيراً إلى أنّ بعض المجتمعات، في تراثها، وتطورها الطبيعي، كانت تتقدم بسلاسة، بين أنماط حكم دون أن يحصل فيها "الاحتداد الاحترابي".

وأكد أنّ ما استجلب، باعتباره قوالب جاهزة، من مجتمعات أخرى، وتسليطها على مجتمعاتنا، كان وراء تلك الفرقعة التي أدت إلى "حرب البسوس" التي لا تنتهي.

وشدّد الهمامي على ضرورة مراجعة المفاهيم وعقلنتها بما يتناسب ومجتمعاتنا، مؤكداً أننا لسنا في حاجة إلى إسلام متسلط على رقاب المسلمين، مثلما لم يكن في العهود الغابرة، كما أننا لسنا في حاجة إلى تطرّف في معاداة كل ما هو ديني ومقدّس بشكل يجعل الأمر وكأنه نفي لجزء من التراث.

محاولات التجاوز

وشدّد المحلل السياسي والكاتب محمد القوماني على وجود محاولات بعد هزيمة 67، حيث برز "مثقفو التيار النقدي" كمحمد عابد الجابري وحسن حنفي وبرهان غليون ..الذين حاولوا تجاوز هذه الثنائية التي سمّاها برهان غليون "محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية"، وعبد اللطيف الهرماسي في تونس، معتبراً أننا نعيش منذ عقود حرباً ثقافية غير معلنة. وحاول هؤلاء البناء، مشيراً إلى أنّنا كنّا ننتظر أن يستثمر الربيع العربي في ذلك النقد، ولكن العكس هو الذي حصل، وعدنا من جديد إلى قمة ذلك الصراع، وأضعنا الفرصة من جديد، وعلينا بالتالي أن ندرك هذه المخاطر خاصة بعد المشهد العنيف الذي نعيشه حالياً.&

وأشار القوماني إلى جهود لدى الإسلاميين للخروج من هذه المشكلة، فهناك تخلّ من طرف حركات الإسلام السياسي مثل حركة النهضة في تونس أو تيار العدالة والتنمية في المغرب أو تركيا، التي أسقطت شعار الدولة الإسلامية، وأكدت على ضرورة تعزيز الديمقراطية، وهي محاولات حقيقية لتجاوز هذا التنافي.

من ناحيته أوضح السياسي اليساري عبد الرزاق الهمامي أنّ الاستعمال المفرط وغير المشروع للمقدس، جذباً أو نفياً، يمنعنا من تحقيق أهدافنا، فهذه المعركة "وهمية ومفتعلة"، لأن المعركة الحقيقة ضد القوى المهيمنة التي تعمل على استغلال مجتمعاتنا وتفقيرها والتحكّم في مصائرها، كما أنّ المعركة هي مع تخلّفنا الذاتي، أي نوازع الجهل والتخلف، وذلك بتدعيم العلم والثقافة، إلى جانب الانفتاح، مع ممارسة عقيدتنا السّمحاء.

وأكد الهمامي على أنّ الافتعال هو في الأصل للتغطية على أحداث أخرى أكثر خطورة وأهمية.

تيار جديد

إلى ذلك، أوضح عبد الرزاق الهمامي أنّ التأثير كبير على الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه بعض المجتمعات العربية، مشيراً إلى وجود أطراف تسعى إلى إبراز هذا الصراع إلى العلن، فالادعاء بأنّ أي طرف يحمل مشروعاً، يرى أنه الأولى بسوس هذه المجتمعات، وهو الوحيد المتجانس مع الحداثة والتقدم، يخفي في الواقع حقيقة "المعركة"، مؤكداً أنّ المعارك الحقيقية اليوم، يجب أن تكون ضد التخلف والجهل، ولصالح التنمية والديمقراطية.

بينما أكد محمد القوماني على أنّ المجتمع سيفرز تياراً جديداً يجمع إيجابياً بين مخاوف العلمانيين من عودة المنظومة التراثية التسلطية، من ناحية ويجيب على مخاوف الإسلاميين من استبعاد الإسلام كمقوّم أساسي في تاريخنا وحضارتنا ويعطي إجابات مختلفة، معتبراً أنها الإمكانية الوحيدة التي يمكن أن تجنّبنا المشهد القاتم في الحرب المدمرة بين الأنظمة الاستئصالية الاستبدادية والحركات التكفيرية الإرهابية. & &