اليوم، وبعدما انفتحت سماء العالم بمصادر متنوعة للبث من كل مكان، يطلّ عثمان العمير من مقعد الرائي، على ماض قريب استبق به الثورة الرقمية لصحافة العرب، قبل عقد ونصف عقد، حتى انتصرت له تلك الثورة عبر ضرباتها التحويلية لعالم الصحافة القديم، الذي بدا كما لو أنه عادة روتينية آخذة في التلاشي تقريبًا.

لقد استنبط العمير من خلال ريادته لموقع "إيلاف" حساسية جديدة حيال التطلعات الحديثة للعالم الرقمي. فما تضخه وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت من تفاعلات هائلة في رصد الاهتزاز المتسارع للحياة الرقمية كان دلالة واضحة، ليس فقط على ارتطام نبوءات العمير بالتحولات الجديدة، وإنما أيضًا على هوية تلك التحولات؛ فها هو العمير اليوم يطلق نبوءة صحافية جديدة، معلنا بداية النهاية المحتملة للصحافة الإلكترونية في سياق نهايات لا تلغي الوظيفة، لكنها تفرض عليها تحديات جديدة.

في المسافة بين وعي الوظيفة، والتقاط الحساسية الجديدة لهوية الصحافة، أمكن لفريق إعلامي ناجح قاده عثمان العمير عبر "إيلاف"، اختبار التجريب والريادة بين زمنين للصحافة العربية؛ ماض زحزحته ثورة الإعلام الجديد، وحاضر تهجم عليه تكنولوجيا المستقبل الرقمي بوتائر متسارعة.

ذلك أن الزمن السريع لتحول وسائل التقنية الاتصالية التي تنافس بعضها بضراوة في تسييل العالم وجعل الوجود شفافًا، عبر فايسبوك، تويتر، انستغرام، سناب شات، لن يمنح بطاقة الخلود إلا لمن ظل يهجس بالخلود من أمثال عثمان العمير. لن ينجو أحد من النسيان في عالم الصحافة العربية بمعزل عن القدرة على اختبار تحدي الهويات الجديدة لسيولة العالم الرقمي.

تدرك "إيلاف"، ويدرك عثمان العمير ما وصفه "مارسيل غوشيه" ذات مرة بـ(نزع السحر عن العالم) لقد نزع العالم الرقمي اليوم السحر عن الصحافة الورقية، وأصبح فضاءً هائلًا للتحولات التقنية القادرة على منح الجميع قابلية إنجاز مهام إعلامية ممكنة ومتعددة عبر منافذهم الشخصية على شبكات الإعلام الجديد.

وما لم تختبر الصحافة الإلكترونية باستمرار رهانًا متجددًا في سباق تحولات العالم الرقمي، من خلال توظيف منهجيات متطورة ومبدعة في أساليب العمل الصحافي وفنونه؛ فإن قدرة ذلك العالم على تجديد تقنياته التفاعلية والذهاب بعيدًا بإبداعاته غير المسبوقة، ستجعل الصحافة في عالمنا العربي، بشقيها الورقي والالكتروني، جزءًا من صحافة العالم القديم.

عثمان العمير رجل لا ينتظر التحولات، فهو في قلب تحولات عالم متغير باستمرار، وبما أن: (كل متغير حادث) ــ كما يقول الفلاسفة ــ فإن الحداثة المتجددة لـ"إيلاف العمير" هي المهمة التي تصنع حامل المهمة، بخلاف مقولة "ريجيس دوبريه" الشهيرة: "ليست المهمة مَن تصنع حامل المهمة"!