قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

«إيلاف» من بغداد: يعتقد الكثير من العراقيين أن الحزن اكثر ما يتلبس حياتهم لذلك هم يؤكدون أن إبتسامتهم لا تصدر من القلب وانهم يضحكون بطريقة تشبه الى حد كبير رقص الطير المذبوح، مشيرين الى أن السبب هو الاوضاع غير الطبيعية التي يعيشها العراق منذ سنوات طويلة، وحيث الموت هو الذي يتسيد الموقف.

وأعرب مواطنون عراقيون أن الضحك الذي يؤدون طقوسه في حياتهم غير حقيقي تمامًا، لان تحت كل ضحكة هناك كمية من الجمر المشتعل، وشرح عراقيون استطلعت «إيلاف» آراءهم& والاسباب وراء هذه الضحكات التي تخرج من الحنجرة فقط هو الواقع السيئ الذي هو إمتداد لسنوات طويلة من القهر والظلم والفقر والموت الممنهج الذي يخطف ارواح الناس بكثرة بإستمرار، مما يؤدي الى ان يكون الحزن قرينهم الدائم، مؤكدين ان العراقيين الذين كان يضرب بهم المثل في المرح وصناعة النكات اصبحوا لا يطيقون ذلك .

بغداد تلطم!

& وبدأت فكرة الاستطلاع من خلال تواجدنا وسط مجموعة من الشباب كانوا يقضون وقتهم بسرد النكات والضحك، لكنهم وسط ذلك يستذكرون بعضًا من اوجاعهم ومتاعبهم، وكان السؤال الاستفزازي لهم :هل ان ضحككم صادر من اعماق القلب ؟ فكانت اجابات هذه المجموعة انه (ضحك كالبكاء) او انهم يضحكون على انفسهم بالضحك لان به يهربون من واقعهم الذي يضج بالاحزان والموت والقلق اليومي، حيث لا يعرف الانسان الذي يخرج من بيته ان كان سيعود اليه سالم، وهز أحدهم يده ليطلق حسرة ومن ثم يقول “ان الذي في داخلي من حزن وألم اشعره سيقتلني ولكنني اهرب منه الى هؤلاء الاصدقاء وترانا نختلق الضحكة ونقهقه على اتفه الاشياء لاننا نريد ان ننسى وان نعيش وقتًا من الغيبوبة في هذه الصحبة،& بل ان أحدهم اشار الى واقع المقولة الشهيرة (القاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) التي صارت الان (القاهرة ترقص وبيروت تسكر وبغداد تلطم)”، موضحًا الى ان اللطم البغدادي او العراقي اصبح هو ما يميز الحياة العراقية بسبب الحزن الذي توشحت به الايام والمآسي التي اصابت مجتمعه وخاصة في السنوات الثلاث عشرة الاخيرة التي صار الموت فيها يحصد الناس بالعشرات .

لا ضحك مع المقابر

وحاولنا ايضا إستطلاع آراء مواطنين آخرين من اعمار مختلفة، نحو 200 شخص، فكانت النتيجة ان ضحكهم اصبح شحيحًا ازاء ما يرونه يوميًا من إنفجارات تمزق اجساد الناس اشلاء مع حالات الفقر المتزايدة وعدد المتسولين في الشوارع والسلبيات الكثيرة التي تفتك بالبلد، وقد اخترنا هنا بعضاً من الاراء.

فقد اكد سلام جبر، موظف، انه لايشعر بحلاوة الضحكة، وقال :”لا شيء في العراق الحزين يجلب لنا الضحك، ربما اقول ان آخر ضحكة حقيقية للعراقيين كانت يوم انتهت الحرب العراقية الايرانية عام 1988، اما الان فها انت ترى الاحزاب الاسلامية وقد وهبت العراق الحزن والبكاء واللطم على الاموات بشكل مستمر& وقد امتلأت المقابر بأجساد الشباب”.

كثير من الحزن

اما كريم فاضل سائق سيارة اجرة، فقد اكد أن الابتسامة الصفراء هي التي بقيت، وقال : “من يسمع أحزان غيره تهون عليه احزانه، وانا كل يوم اسمع من الناس ما يشيب منه الرضيع، فالناس كلها تخاف من الواقع ويرونه بلا نهاية، خاصة ان الحكومة غير مهتمة لما يصيب الشعب من كوارث، فهي لاهية عنه فلا ماء ولا كهرباء ولا عمل ولا خدمات والفساد يا سيدي اكل الاخضر واليابس&

واضاف: “لا استطيع ان اضحك حقيقة، وهناك كثيرون مثلي لا يضحكون وان ضحكوا فليس ذلك الضحك، فهل تستطيع ان تضحك وان تشاهد كبار السن من النساء والرجال وهم يتسولون في الشوارع العامة ونقاط السيطرات”.

ضحكة القهر&

من جهته، اكد الموظف وسام البديري، قائلا : “غادرت الابتسامة شفاه العراقيين للاسف الشديد بعد ان جفت محبرة الصبر لوصف حال الوطن بالجريح وقد تناوشته سكاكين الجميع :ملكية وجمهورية قومية وبعثية ومن ثم متأسلمة، وقد ادعى كل واحد منهم وصلا ببناء ابراج عالية من آلام العراقيين .

وتابع : “ قد لا نضحك من القلب ولكننا نسخر من احوالنا بما لا يجلب علينا (الجلطات القلبية او الدماغية)، لكننا نأسف لحالنا وقد حرمنا الطغاة من ابسط حقوقنا في الضحكة الصافية والنابعة من القلب”.

رقص الطائر المذبوح

&اما هادي جلو مرعي، صحافي ومدير المرصد العراقي للحريات الصحفية،& فقد قال:” نعم، هكذا هم العراقيون يضحكون بطريقة تشبه رقص الطير المذبوح لانهم يحتكمون الى حزن سرمدي سببه نوع الحكم السائد عبر التاريخ وتسلط أقوام عليهم والثقافة السالبة للفرح، حيث ينتمون الى حضارة جنائزية تحتفي بالموت والرحيل والعذاب واليأس.وهذا يشمل كل تاريخهم :الاهوار، بابل،الطوفان والاحتلالات.

واضاف: “الواقع الحالي امتداد للماضي وصنيعته فليس من شيء يتأسس من فراغ، فالسنة التي تجيء صنيعة التي سبقت، واليوم يحاصر بالهم مواطني هذا البلد. الموت والارهاب والطائفية والحرمان والقتل المجاني والفساد الذي خرب البلاد والحرمان من الشعور بالكرامة وعدم الحصول على خدمات تحفظ انسانيتهم”.

صرخة مدوية

& فيما قال الصحافي صالح الشيباني: “يضحك العراقيون هرباً من واقعهم، احيانًا يرتفع صوت ضحكهم وفي احيان أخرى ينخفض تماماً من الواقع السياسي المتأرجح والصاعد والنازل بسبب وبلا سبب.

&واضاف: “ العراقيون يستشعرون الماً لا سبيل الى مقاومته والسخرية منه الا من خلال إبتكار طرائف عن السياسيين تفضي الى ضحكات صاخبة وعيون دامعة، يضحكون ويضحكون ويرقصون وهم مذبوحون من الوريد الى الوريد”.

&وتابع: “اعتقد جازمًا ان كلمة ابتسامة مواطن عراقي تخفي وراءها صرخة مدوية، نحن نحتاج الى هذه الصرخة لتدك عروش الفساد”.

نتشاءم من الضحك

من جانبه، قال الاستاذ في كلية الفنون الجميلة محمود موسى : “ من البديهيات المعروفة عن الفرد العراقي انه يمتاز بشخصية ازدواجية تجمع بين الكثير من الثنائيات المتناقضة مثل الميل الى الحزن والفرح في آن واحد وهذا ما نلاحظه في موروثه الغنائي خاصه وموروثه السلوكي عامة”.

واضاف: “رغم ذلك فالشعب العراقي يميل كثيراً الى الضحك والمرح وربما ينافس الشعب المصري في هذا الجانب لكنه في نفس الوقت ربما يكون الشعب الوحيد في العالم الذي يتشاءم من الافراط في الضحك، فحين يضحك العراقي سرعان ما يتدارك نفسه قائلاً : اللهم اجعلها ضحكة خير! “.

ذاكرة قصيرة

الى ذلك قال نبيل ابراهيم الزركوشي، تربوي وباحث:” إن الضحك هو رد فعل لأي شخص على حادثة او موقف يحدث امامنا ويعتبره البعض احدى وسائل التواصل بين الاشخاص لذا تعتبر الظرافة سمة من سمات الشخصية العراقية”.

وأضاف: “حياة العراقيين مليئة بهذه التناقضات اذ نرى أن الذاكرة للانسان العراقي اصبحت لاتتجاوز ساعة بعد الانفجار، حيث تعود الحركة والحياة الى المكان الذي شهد انفجاراً منذ ساعة، بالاضافة الى ذلك وفرت التطورات التي يشهدها العراق بعد 2003 مساحة واسعة من الحديث عن المسؤولين الجدد الذي كان الامر يعتبر حياة او موت الخوض في هذا الحديث قبل التاريخ اعلاه، على الرغم من ذلك يبقى الانسان العراقي يكابر على ما بداخله لكونه يملك من الكبرياء ما يجعله يبتسم ظاهرياً ويحترق داخلياً وهو يرى وطنًا كان يتقدم الاوطان مستباحًا من الجميع”.

تضاد الاحداث

الدكتور قاسم حسين صالح، مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية، قال : رغم ان سؤالك يبدو للقارئ بسيطًا، لكنه يحتاج الى إجابة علمية نوجزها بالاتي: “إن شخصية الفرد هي نتاج ما صنعته الأحداث التي عاشها أجداده ، وما يعيشه من أحداث في الحاضر. وبالقطع، لا يوجد شعب في الأرض خبر التناقضات في حدة الأحداث كالتي خبرها الشعب العراقي، ولتحول الأحداث بما يشبه الارجوحة (ازمة، فرج، ازمة...) هو السبب في تقلب المزاج العراقي بين فرح، حزن، فرح..في اليوم الواحد ولك ان تلاحظ كيف يذهب العراقي في الصباح الى مأتم حزن لقريب او جار مات في حادث انفجار..ويذرف الدموع، ويذهب في المساء لحفلة عرس صديق..يغني فيه ويرقص”.

واضاف: “تضاد هذه الأحداث انتج تناقض السلوك والمزاج في الشخصية العراقية، ولا ننسى ان العراق هو اول من صنع القيثارة وألف اغنية حب، وهو بلد الطرب والعراقيون اهل نكتة، والعراق بلد الشعر والجمال، وكلها تدفعك الى أن تضحك، ما يعني ان العراقي مجبول على الفرح والعشق والضحك من آلاف السنين.

&وتابع: “ تسألني هل هو ضحك طير مذبوح..؟اجيبك نعم عند من استسلم لليأس من اصلاح الحال ومن وصل حالة اكتئاب أو تملكه حزن مرضي، لكنه ضحك عراقي نقي صحي لدى النقيض”.

&وختم بالقول: “وبالمناسبة، إن الضحك يطيل العمر، ويشيع المودة بين الناس ويزيدهم قوة ويجعلهم اكثر تعلقًا بالحياة، وعلينا ان نشيعه بين العراقيين ليعيدوا به الوطن الذي سرقه الفاسدون.

&من بين حنايا النص &

في مدينة الناصرية (جنوب العراق)، فرضت البلدية موسيقى خاصة موحدة لبائعي قناني الغاز لكي& تُميزهم عن الاخرين، وقال عن تلك الموسيقى الكاتب ابو فراس الحمداني: “ الموسيقى المُختارة حزينة جداً وتُقطِّع القلب وكأن المدينة بحاجة الى حزن اضافي اكثر من واقعها المأساوي” .

&