تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث
المأزق نفسه: واقعي وراديكالي في آن واحد؟

السياسة كمهنة... أو حكمة ماكس فيبر المستدامة

قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف من لندن: رأى ماكس فيبر أن أخلاق الإيمان من سمات القديسين والثوار الطهرانيين الذين يلومون الآخرين على تأثير أفعالهم ما داموا فعلوا الصح، مقابل أخلاق المسؤولية التي تطالب السياسيين بتحمل مسؤولية أفعالهم. ما زالت هذه الحكمة تنطبق على السياسة اليوم.

في يناير 1919، كانت ميونيخ مدينة مضطربة. فالثورة التي اندلعت في نوفمبر 1918 أطاحت ملك بافاريا، وجاءت بنظام يقوده صحفي خلاصي من اليسار الراديكالي اسمه كورت آيزنر. وكما في مناطق كثيرة من ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، فإن قوى متعادية من اليسار واليمين كانت تتصارع من أجل السلطة في الشوارع. في برلين، قُتل القائدان الشيوعيان كارل ليبكنشت وروزا لوكسمبورغ، فيما استخدم قادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي ميليشيات لفرض سلطة حكومته الفتية. بعد فترة قصيرة، اغتال قومي رجعي آيزنر نفسه.

ولدت جمهورية فايمار بالدم مثلما ماتت لاحقًا بالدم. وفي 28 يناير، قدم ماكس فيبر واحدة من أهم المساهمات في النظرية السياسية الحديثة في محاضرة بعنوان "السياسة كمهنة" Politics as a Vocation. وفي عصر الديماغوجية الذي نعيشه اليوم، تشكل تلك المحاضرة خريطة ثمينة للساحة السياسية كما كانت قبل 100 عام.

قوى شيطانية

ألقى فيبر، الذي كان قامة شامخة في الحياة الفكرية الألمانية إبان القرن العشرين وأحد مؤسسي السوسيولوجيا الحديثة، محاضرته في جمعية للطلاب ذوي الميول الليبرالية عن موضوعة القيادة والحياة السياسية. قال لهم إن السياسة شكل متميز من أشكال النشاط، له أحكامه القاسية، وهي تعني صراعًا متواصلًا بين قادة ونخب حزبية. ومن ينخرط فيها يعقد حلفًا مع "قوى شيطانية" من دون أن تكون هناك مرجعية أخلاقية يستدل بها.

تكتب مجلة إكونوميست في تقرير عن محاضرة هذا المفكر الألماني الكبير التي تُرجمت ونُشرت في كتاب أن فيبر اشتهر بتعريفه الدولة على أنها هيئة تحتكر الاستخدام المشروع للقوة وأدوات العنف. وحذر جمهوره من "ليل قطبي من الظلام والصلابة الجليدية".

لم تكن واقعية فيبر الصارمة أكاديمية فحسب، فهو انتقد اليساري آيزنر بوصفه أنموذجًا للقائد الذي لا يسترشد إلا بإرادة البقاء أمينًا لمبادئه بصرف النظر عن النتائج. وكان فيبر يرى أن "أخلاق الايمان" هي من سمات القديسين والمسالمين والثوار الطهرانيين الذين يمكن أن يلوموا العالم أو غباء الآخرين أو حتى الله نفسه على تأثير أفعالهم، ما داموا فعلوا الشيء الصحيح. ووضع فيبر في مواجهة ذلك "أخلاق المسؤولية" التي تطالب السياسيين بتحمل مسؤولية أفعالهم والدخول في مساومات أخلاقية لتحقيق هذه النتائج إذا دعت الحاجة.

بحسب إكونوميست، كان فيبر يعرف أن أشياء شريرة يمكن أن تنبثق من أفعال خيرة، مثلما يمكن أن يحدث العكس.

السياسة كمهنة

بالنسبة إلى فيبر، يتسم القائد السياسي الحقيقي بثلاث صفات، هي العاطفة المتقدة والشعور بالمسؤولية والاحساس بالتناسب. القائد صاحب قضية، وهو ليس متبجحًا بسلطة اكتسبها حديثًا، سياساته لا تفضي إلى نتيجة لأنها سياسات بلا أساس. وعلى النقيض من ذلك، يتسم الذين تُعقد لهم القيادة السياسية بالشجاعة الأخلاقية وبإحساس داخلي بالهدف مع القدرة على إصدار الاحكام الواعية وشعور عميق بالمسؤولية. تتضافر هذه الصفات لإنتاج سياسيين يستطيعون "أن يضعوا يدهم على عجلة التاريخ"، كما تنقل إكونوميست عن فيبر، مشيرة إلى أنه كان قوميًا ليبراليًا آمن بأن مصير ألمانيا هو المبرر المركزي لوجود السياسة. وكان اهتمامه بشخصية السياسي وأخلاقه يعكس إيمانه بأن بلده يواجه لحظة خطر كبير، ويحتاج إلى قيادة قوية مقتدرة من النمط الذي تحدث عنه في محاضرته في ميونيخ.

توفي فيبر بالإنفلونزا الأسبانية في عام 1920، لكن محاضرته "السياسة كمهنة" والمقالات التي نشرها في الصحف ظلت محكًا للسجالات الألمانية حول الديمقراطية والقانون الدستوري لما تبقى من القرن العشرين.

في الفكر الأنكلو-أميركي، اصبحت محاضرته نظرية سياسية كلاسيكية بعد أن تُرجمت إلى الانكليزية ونُشرت في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت تُقرأ عادة بوصفها محاضرة من قسمين: الأول، دراسة علمية للأحزاب والقادة السياسيين؛ والثاني، تأمل في أخلاق القيادة السياسية.

مارست المحاضرة تأثيرًا بالغًا في التقليد الواقعي للنظرية السياسية الذي يضع دور الدول والمصالح فوق القيم واكتسب حياة جديدة في السنوات الأخيرة.

واقعي راديكالي؟

ما زالت آراء فيبر تحتفظ بقوتها في ديمقراطيات محكومة بنخب تتصارع بعضها مع بعض من أجل السلطة، وفي الوقت نفسه تكتفي بالدعم اللفظي لمبدأ المساواة أو الحرية، وأحيانًا تستخدم وسائل عنيفة من أجل تحقيق أهدافها.

تقييمه الفذ للديماغوجية يساعد على فهم صعود سلطويين كارزميين يقودون أجهزة حزبية مطيعة. وبحسب إكونوميست، لن يُفاجأ فيبر بألاعيب فلاديمير بوتين في روسيا وفكتور أوربان في المجر ورجب طيب إردوغان في تركيا.

ما زالت محاضرة فيبر "السياسة كمهنة" تلهم من يريدون أن يفهموا السياسة كما هي، وليس كما يتمنون أن تكون. لكن واقعية مثل واقعية فيبر يمكن أن تبدو تسليمًا بالوضع القائم أيضًا. كان منتقدوه اليساريون يعتقدون أنه حبيس قفص حديدي صنعه بيده، غير قادر على أن يرى كيف يمكن أن تفتح حركة التاريخ إمكانات للتغيير الجذري.

كان ماكس هوركهايمر أحد الطلاب الذين حضروا للاستماع إلى فيبر في ميونيخ في عام 1919. وهوركهايمر هذا أحد مؤسسي مدرسة فرانكفورت في النظرية النقدية. بعد سنوات، قال عن محاضرة فيبر: "كل شيء كان من الدقة والتقشف العلمي والتخفف من القيم بحيث عدنا إلى بيوتنا مكتئبين تمامًا".

تكتب إكونوميست أن صدى هذه التهمة تردد على مر السنين، وهي تشير إلى مأزق ما زال يواجه المنخرطين في السياسة الديمقراطية: هل تستطيع أن تكون واقعيًا وراديكاليًا في آن واحد؟

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:

https://www.economist.com/books-and-arts/2019/01/26/max-webers-enduring-wisdom?frsc=dg%7Ce


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. مقال رائع اشبه بالنصوص المقدسه
عدنان احسان - امريكا - GMT الأحد 27 يناير 2019 20:15
الاهم من كل شي..وبغض النظر عن مساله \ يمين \ اويساري \ او ليبرالي - السياسي اذا لم يكن - يؤمن بفكر فلسفي - لايمكن ان يكون سياسي \ اوقائد \ - فاكثر السياسين في عصر ما بعد الثورات جاؤوا بالوراثه --ولو الماركسيه - بقت في المانيا لما شوهتتها - الستالينيه -الغبيه - التي اصابت الفكر السياسي بالجمود العقائدي - ومشكلتنا اليوم - ان اغلب السياسين جهله \ .. فهناك من يعتقد ان المشكله بقمه الهرم من السلطه \ وينسى الدوله الموازيه- وهذا قصر نظر بالرؤيه الفلسفيه لذلك اغلب الانقلابات والثورات فشلت - والربيع العربي - \ احد ضحايا هذه الاوهام \ - لا فكر...ولا قيادات ... ولا برامج - ولا فلسفه ؟ والشعار لا يكفي لاسقاط السلطات الديكتاوريه - والدوله الموازيه قد تصمد كما صمدت بالنموذج السوري - او قد تاتي بالبديل الاسوء كما النموذج المصري / او تضيع كما النموذج الليبي - والعراقي - والتونسي -//// وبالنتيجه ( الفلسفه - والفكر - والقائد - ونضوج الظروف الموضوعيه والذاتيه ) - هو الكفيل بانتصار اي ثوره او حركه تغيير - فكيف ثوره ستنجح اذا كان منظرها - من امثال \ برنار ليفي \ خريج مقاهي \ باريس \ ... وتتمول من السفارات / وبرنامجها السياسي اجندات اعلاميه لذلك شكر ا لهذا المقال - لو قرأ رواد الربيع العربي هده المقال - قبل الثوره لنجح الربيع العربي ...انا مستفرب - قيادات سياسيه - وبدون فكر فلسفي - وبرنامج - سيكررون تجربه الثوره الغرنسيه -ولمن الفارق بالعصر .. بان الثوره الفرنسيه تعلمت من اخطائها .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

  1. ترمب مستاء من
  2. الديوان الأميري الكويتي: الشيخ صباح الأحمد يتعافى
  3. من هو
  4. الأردن يستدعي سفير إسرائيل
  5. ظريف يبحث
  6. جيفري إيبستين... هوس في الجنس ونقاط غامضة كثيرة
  7. بريطانيا...
  8. السعودية تؤسّس أكاديميات للفنون
  9. قصة ظهور السيدة العذراء على هيئة حمامة بيضاء في مصر
  10. لندن ترحب بالإعلان الدستوري في السودان
  11. إعادة فرض قيود مكثفة في كشمير
  12. الأويغور في مصر يخشون
  13. محتجو هونغ كونغ يتظاهرون لتأكيد سلمية تحركهم
  14. 100 نائب يطالبون جونسون بدعوة البرلمان للانعقاد حالاً
  15. سفارة السعودية تحذر رعاياها في إسطنبول
في أخبار