قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ثمة توجه خليجي باتجاه الشرق، باتجاه الصين التي يبدو أن صعودها الاقتصادي والسياسي سيجعلها الشريك الأكبر في المستقبل، ما يحث دول الخليج على أن تبدّل اتجاه دفتها اقتصاديًا وطاقويًا.

لا يُنظر إلى عام 1993 عادة على أنه عامل حاسم جيو-سياسيًا. فحين أدى بيل كلينتون اليمين الدستورية في واشنطن، كانت تداعيات الأحداث الجيو-سياسية الكبيرة في السنوات القليلة الماضية - سقوط الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الأولى وصعود دول اوروبية شرقية مستقلة حديثاً - ما زالت مستمرة، لكن بدا أن العالم دخل حقبة جني ثمار السلام بعد الحرب الباردة ولحظة القطب الأميركي الأوحد. وفي عواصم الشرق الأوسط، لم يكن هناك شك في مَنْ هي القوة العظمى في العالم؛ إذ كانت هي الولايات المتحدة... بلا منازع.

لكنّ حدثًا واحدًا غير متوقع في ذلك العام بدأ يغير الواقع الجيو-سياسي الشرق أوسطي بصورة غير ملحوظة، مشيرًا في الوقت نفسه بهدوء إلى ظهور قوة جديدة محتملة في الأفق.

الصعود الصيني

كانت الإشارة ضعيفة لم تثر عناوين رئيسية. ففي ذلك العام، لم تعد إمدادات الصين الداخلية من النفط قادرة على تلبية طلبها. وتقاطعت خطوط العرض والطلب على الخريطة، وكنا ما زلنا في بداية صعود الصين الجيو-سياسي الدراماتيكي، لكن الإشارة كانت رامشة: يمكن الصين أن تصبح في نهاية المطاف مستوردًا كبيرًا للنفط الخام العالمي. 

مر وقت قبل أن يرتفع الطلب الصيني، لكن في خلال العقد الماضي تغيرت الإشارة من الرمش إلى الوميض إلى الأحمر المتواصل، واستمر خط الطلب في الارتفاع: أصبحت الصين محرك الطلب العظيم على النفط الخام العالمي (ناهيكم عن الطلب على كل سلعة مهمة أخرى في العالم). لذلك، كان محتمًا أن يقترب محرك العرض العظيم في دول الخليج تدريجًا من محرك الطلب العظيم، متمثلًا بالصين.

على غرار السفينة التي تغير مسارها، فإن التحولات الجيو-سياسية لا تكون مفاجئة، وهي عادة تستغرق عقودًا قبل أن تتشكل وتتبلور، وتجاري في أحيان كثيرة تحولات جيو-اقتصادية. والرياح التجارية تهب عمومًا بسرعة أكبر من الرياح السياسية. لذلك، عندما اعتلى الملك عبد الله بن عبد العزيز العرش في السعودية في عام 2005، شعر بالرياح التجارية المتغيرة، خصوصًا المد الصاعد للمشتريات الصينية من النفط الخام السعودي، وصعود الطبقات الوسطى المتعطشة للطاقة في آسيا، فقام بحركة سياسية مفادها اختياره الصين والهند وجهة لأول زياراته الرسمية بوصفه العاهل السعودي الجديد.

كان بمقدور أرامكو السعودية أن تقرأ الإشارات بوضوح: إن نمو الطلب في المستقبل سيأتي من آسيا، وليس من الولايات المتحدة أو أوروبا. في الواقع، سوقا أميركا وأوروبا ستبقيان ثابتتين ومهمتين، لكن آسيا هي المستقبل... بل إن وزير النفط السعودي السابق علي النعيمي، وفي خلال زيارة إلى الصين في عام 2011، اعتمد لغة بكين ووزارة الخارجية الهندية في اعلان نفسه من دولة السعودية "الغرب آسيوية" (الهند والصين تشيران إلى منطقة الشرق الأوسط من دون شمال أفريقيا على أنها "غرب آسيا").

تحول في اتجاه آسيا

إذا كنا سنرى قرنًا آسيويًا، فإن وقود نصفه الأول سيكون نفطًا وغازًا من غرب آسيا، وسيكون مصدر القسم الأعظم لهذا الوقود من ممالك الخليج الست، زائد العراق وإيران. وفي الحقيقة، الأغلبية العظمى من إمدادات النفط والغاز التي تغادر الخليج تتوجه إلى آسيا.

فشركة بترول أبو ظبي الوطنية "أدنوك" تشحن 96 في المئة من نفطها الخام إلى آسيا وبلدان مثل كوريا الجنوبية واليابان، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على نفط الخليج، بواقع حصولها على أكثر من ثمانية من كل عشرة براميل تستوردها، من دول الخليج وإيران والعراق.

لكن الأمر لا يقتصر على صفقات شراء النفط الخام. فالشركات اليابانية والكورية الجنوبية منخرطة بنشاط في تعاون طاقي استراتيجي مع شركات النفط الوطنية الخليجية، من الاستثمار المشترك في المصافي والفوز بعقود استخراج إلى صناعات تكريرية مثل البتروكيماويات والبلاستيك.

الهند أيضًا تزداد اعتمادًا على طاقة الخليج، وتكتسب شركات النفط الوطنية الهندية مواقع لها في دول الخليج، لا سيما الفوز بحصة كبيرة من امتياز نفطي في ابو ظبي.

لكن الصين هي التي تلوح بشكل بارز في الأُفق الجيو-اقتصادي. واستأثرت الزيارة الأخيرة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الصين والهند وباكستان بعناوين رئيسية في الولايات المتحدة، وأثارت حديثًا عن "تحول خليجي في اتجاه آسيا"، أو "تحول صوب الشرق".

في الواقع، التحول صوب الشرق يحدث جيو-اقتصاديًا منذ عقد على الأقل وأكثر. ونحن ندخل الآن في مرحلة أكثر نضجًا من الاستثمار الخارجي المباشر المشترك في مشروعات طويلة الأمد، ذات رأس مال كثيف مثل المصافي، وكذلك مبادلات العملة وتزايد المقيمين والتجار الصينيين من دبي إلى الدوحة، وتعهدات على مستويات رفيعة بالاستثمار المشترك في مشروعات "مبادرة الحزام والطريق" الصينية.

أكثر نضجًا

انضمت جميع دول الخليج إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ويبدو أنها تتنافس على مَنْ يمد بساطًا أكثر احمرارًا للرئيس الصيني شي جين بينغ أو غيره من المسؤولين الكبار في زياراتهم الرسمية. وهذه المرحلة الجيو-اقتصادية الأكثر نضجًا يمكن أن تُسمى "التحول الثاني صوب الشرق".

ما لم يحدث "حتى الآن" هو قيام تعاون عسكري أو أمني كبير بين الصين ودول الخليج. وتبقى الصين مستفيدة من المظلة الأمنية الأميركية فوق الخليج بلا مقابل. على النقيض من العناوين الكبيرة، ما كانت الولايات المتحدة مدمنة على نفط الشرق الأوسط خلال العقد الماضي (يندرج بلدان أو ثلاثة بلدان فقط في الشرق الأوسط ضمن المصادر العشرة الأولى التي تستورد منها الولايات المتحدة)، ومع ذلك ما زالت أميركا الشرطي الرئيسي للخليج. وفي القائمة المعهودة للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، يأتي أمن الخليج دائمًا بأهمية دعم إسرائيل ومكافحة الإرهاب. 

مع تزايد أهمية النفط الصخري الأميركي في أسواق الطاقة العالمية، أُميط المزيد من اللثام عن قضية الحماية الأميركية للمرات البحرية في الخليج.

فالأمر لا يتعلق بحماية الممرات البحرية من أجل تأمين إمدادات النفط إلى أميركا، بل إن الولايات المتحدة تحمي هذه المشتركات العالمية من أجل الأمن الطاقي العالمي، ومن أجل أسعار نفط معتدلة، وكرمى لحلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند.

لكن المفارقة تكمن في أنها تفعل ذلك من أجل غرماء استراتيجيين مثل الصين، وحتى من أجل المرور الآمن للنفط الإيراني (التهديدات التي يطلقها بين حين وآخر المتشددون الإيرانيون بإغلاق مضيق هرمز تهديدات فارغة لسببين: ايران بحاجة ماسة إلى العملة الصعبة من مبيعاتها النفطية إلى آسيا، ومثل هذه الخطوة ستغيظ زبونها الرئيسي... الصين).

تبقى الصيغة قائمة

لكن... إلى متى ستدوم هذه الصيغة الجيو-سياسية؟ فالصين أصلًا شريك تجاري لأغلبية دول الشرق الأوسط، وهو شريك أكبر من الولايات المتحدة. والصين أكبر مستثمر أجنبي في دول الجامعة العربية.

في اجتماع لمنتدى التعاون الصيني ـ العربي في يوليو 2018، اعلنت الصين الارتقاء بعلاقاتها العربية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، متعهدة بتمويل مبادرات تنموية اقتصادية. وتسارعت العلاقات بين الصين ودول الخليج العربية خلال السنوات القليلة الماضية بموجة من الزيارات المتبادلة عالية المستوى، والاستثمارات الكبيرة العابرة للحدود في التنقيب عن النفط والغاز في الخليج وفي مصاف في الصين.

ومع شعور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية في عهد دونالد ترمب، فإنه ربما يجد في الصين شريكًا أقل تعقيدًا. لم نصل بعد إلى مرحلة "التحول الثالث صوب الشرق"، حيث يُضاف التعاون الأمني والعسكري إلى التعاون التجاري الحاصل، لكننا ربما نخطو أولى الخطوات في هذا الاتجاه.

يطرح هذا ثلاثة اسئلة أساسية على صناع السياسة الأميركيين: هل الولايات المتحدة مستعدة لتقاسم عبء أمن الخليج مع الصين أو راغبة في ذلك؟ وهل الصين راغبة في ذلك أيضًا؟ والأهم... هل قادة الخليج العرب راغبون في ذلك؟

بشأن السؤال الأخير، أغلبية قادة الخليج قانعة حتى الآن بالصيغة القائمة: تضمن الولايات المتحدة أمنهم، فيما تضمن آسيا ازدهارهم، من المستبعد أن تتغير هذه الصيغة في وقت قريب. لكن... هل أخذت السفينة تغير مسارها ولو بدرجة طفيفة؟ 

* ترجمة عبد الإله مجيد