قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من قبل أن يصبح هنري كيسنجر وزيراً للخارجية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، ثم مسشاراً للأمن القومي، ثم بعد ذلك، وحتى اليوم، كتب كثيراً وكُتب عنه الكثير.

أصدر هو عدة مؤلفات، وصدرت عنه عشرات الكتب والمؤلفات، وما زالت تصدر. ومع ذلك بقيت هناك جوانب فكرية وعملية في تصوراته وممارساته وأفكاره غير معروفة أو مستكشفة جيداً تلقي ضوءاً كاشفاً على أي انحراف أو شرود في السياسة الخارجية الأميركية، كما حدث في الآونة الأخيرة مع الرئيس دونالد ترمب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون.

ولعل أكثر المؤلفات الصادرة حول كيسنجر فائدة لجهة «المرامي الديبلوماسية» لدولة كونية مثل الولايات المتحدة، كتيِّب صغير صدر أخيراً لكاتبه وينستون لورد عنوانه «كيسنجر عن كيسنجر»، هو عبارة عن مضمون ستة أشرطة مسجلة جمعها بعض معاونيه السابقين يمكن وصفها بأنها «التاريخ الشفهي» الذي هو كلام عفوي كبير لم تطله الأقلام من قبل. وكان المؤلف المذكور مساعداً لكسينجر في البيت الأبيض، ثم عمل سفيراً لبلاده لدى الصين .

فالدولة الواعية لمصالحها البعيدة المدى، ولدورها الأممي، لا تستطيع أن تأخذ من خصومها أو منافسيها شيئاً من غير استعداد لأن تعطيهم في المقابل ما يتناسب مع مصالحهم وأدوارهم، مما يقتضي فهماً عميقا لتلك المصالح والأدوار. وهذا ما يميِّز القائد التاريخي، أو القائد الرؤيوي البعيد النظر، الذي ينقله مجتمعه، ومعه العالم، والتاريخ، الى حيث لم يكن قبلاً. هذا هو التحدِّي القيادي: أن تقيم الظروف الناشئة على رؤية مستقبلية.

لكن معظم القرارات التي تتخذها الدولة يضعها وينفذها موظفون بيروقراطيون، والقائد هو الذي يقرر أي طريق يسلك من الخيارات الموضوعة أمامه. أما في المفترقات الحاسمة فإن القائد الشجاع المحصَّن أخلاقياً يستطيع أن يمشي عكس الإجماع حتى إذا كان عليه أن يخوض غمار معترك غير مألوف أو لم يُطرق من قبل.

في هذه الحالة، عليه أن يتمتع بالشجاعة الكافية لكي يمشي وحيداً على مسافة من الطريق، تطول وتقصر حسب الظروف. وهو في هذا المسلك الوعر ليس بحاجة الى كثير من معلومات الأجهزة، يكفيه منها نثرات تساعد على فهم القضية التي بين يديه. فهو دائماً يستطيع أن يستأجر خدمات أناس أذكياء، لكنه لا يستطيع أن يستأجر «الخُلق المنيع». هذا يجده خارج الإطار البيروقراطي. يستطيع أن يجد التحصين الأخلاقي بين مجموعة يثق بها من الأصدقاء والمستشارين.

يقول هنري كيسنجر في تاريخه الشفهي إنه أمضى ساعات طويلة في النقاش مع رئيسه نيكسون حول ثلاثة أسئلة محددة طرحاها من البداية: ماذا نحاول أن نفعل؟ ماذا نحاول أن نحقِّق؟ ماذا نحاول أن نمنع؟

ومن الأمثلة التي ساقها حول كيفية التعلُّم أو الاسترشاد بأفكار الخصوم، زيارته الى الصين قبل أربعة أشهر من الزيارة التاريخية للرئيس نيكسون اليها لمقابلة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، تمهيداً لتلك الزيارة، حيث

عرض كيسنجر على الزعماء الصينيين مسوَّدة بيان يتضمن نقاط التلاقي أو الاتفاق الممكنة بين واشنطن

وبيجينغ. لكن ماو تسي تونغ أشاح عنها، واقترح عبر رئيس وزرائه آنذاك شو أن لاي وضع لائحة بنقاط الاختلاف والتعارض بين البلدين كوسيلة لاستكشاف نقاط التلاقي الممكنة، وهكذا كان.

ومن الدروس المهمة التي يسوقها كيسنجر في المسؤوليات الاستراتيجية إبقاء دور وزارة الخارجية في مسألة العلاقات الدولية الحساسة محدوداً، «لأن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتلقى أوامر من وزارة الخارجية».

لكن قبل مناقشة الأسئلة الثلاثة المشار اليها سابقاً، فإن الديبلوماسية الناجحة يجب أن تطرح تلك الأسئلة على نفسها في إطار مفهوم ما للمستقبل وليس للوضع الراهن، لأن المرمى النهائي هو «الهدف» من العملية الديبلوماسية وليس العملية بحد ذاتها.

أما الجانب الأصعب في العملية فهو كيفية تنفيذ ما يجري إقراره. فالتطبيق هو الأهم لأن التطبيق السيء لقرار جيِّد، يضع القرار الجيِّد في منزلة القرار الخاطىء.

فالقيادة الحكيمة تتطلب رؤية ثاقبة لتحديد الأهداف البعيدة المدى، بقدر ما تتطلب الشجاعة اللازمة لاتخاذ القرارات الصعبة اللازمة للتحرك باتجاه تلك الأهداف.

ومن تلك الأهداف البعيدة المدى في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، كيفية التخلص من النفوذ والتسلط العسكري السوفياتي في المنطقة، وتحديداً في مصر وسوريا والعراق. وقد انتهج نيكسون وكيسنجر سياسة واضحة لا تسمح للضغط العسكري السوفياتي في هذه البلدان الثلاثة بتقرير نتيجة مجريات الأمور في الشرق الأوسط، من خلال إفهام المسؤولين هناك بأنه من غير الممكن تحقيق أي تقدم ديبلوماسي تحت ضغط السلاح السوفياتي. وفي الأحداث المتدحرجة في الشرق الأوسط وصولاً الى حرب أكتوبر 1973، يقول كيسنجر: «أفهمنا المسؤولين العرب أننا على استعداد للقيام بمساع ديبلوماسية للوصول الى تفاهمات وحلول، لكننا لن نفعل ذلك تحت وطأة الضغط العسكري السوفياتي.

وهذا يفسِّر المنحى الذي انتهجه الرئيس المصري الراحل أنور السادات، بتغيير إطار المسألة برمتها. فقد فهم السادات أنه لن يستطيع تحقيق أي هدف بالوسائل العسكرية، لكنه ذهب الى الحرب ليؤكد ذاته كمفاوض جدي، وكان يعرف مسبقاً بأن الحرب لن تكون حاسمة. ويقول كيسنجر عن حرب 1973: «قلنا للمصريين وللسوريين إنكم تحاربون الآن بأسلحة سوفياتية، لكنكم لن تحصلوا على السلام إلاَّ من خلال الديبلوماسية الأميركية».

ويشير كيسنجر الى الفارق بين حرب 1967 التي هُزم فيها جيش جمال عبد الناصر، وبين حرب 1973 التي حقَّق فيها جيش أنور السادات انتصاراً نسبياً ملحوظاً، فيقول: «بعد هزيمة عبد الناصر في حرب 1967 هبَّت الجماهير العربية في معظم البلدان العربية تهتف ضد أميركا، أما بعد حرب 1973 فقد تهافت وزراء الخارجية العرب الى واشنطن على الفور».

عندما أبدت الديبلوماسية الأميركية خلال حرب 1973 استعداداها لتكون وسيطاً بين العرب وإسرائيل، فإنها لم تترك مجالاً للشك لدى المسؤولين العرب المنخرطين في تلك الحرب بأن واشنطن لن تقبل بإلحاق هزيمة كاملة بإسرائيل.

وكشف كيسنجر أن الأميركيين كانوا يعتبرون التحركات العسكرية المصرية مجرد مناورات دورية، لكنهم أيقنوا قبل 24 ساعة فقط إنها استعداد لحرب فعلية، وكل ما كانت تعرفه الأجهزة الأميركية كان أيضاً في متناول الأجهزة الإسرائيلية. وعندما سئل كيسنجر، حسب التسجيلات الصوتية، عما إذا كان الإسرائيليون قد فاتحوا الأميركيين بإمكانية شن حرب استباقية لشلِّ التحركات المصرية، أجاب بالنفي وقال إنه حتى لو أراد الإسرائيليون ذلك «لكنَّا نصحناهم وحذرناهم ضد العمل الاستباقي».

والاعتباران الأساسيان اللذان ساقهما كيسنجر في الموقف ضد الحرب الاستباقية هما: تجنُّب ظهور إسرائيل بمظهر المعتدي أولاً، واجتناب انفجار شعبي في العالم العربي نتيجة لذلك يؤدي حتماً الى سقوط أنور السادات ونشوء حالة من التطرف المزعزع للاستقرار في العالم. وقال إن الإسرائيليين ربما كانوا قد بحثوا فيما بينهم بإمكانية شن حرب استباقية، لكنهم لم يُبلغونا بمثل هذه النية، بل يصلنا منهم مجرد تلميح بطلب من هذا النوع، فالمجال الزمني كان قصيراً للغاية.

وقال كيسنجر: «علينا أن نقارن بين الوضع القائم الآن بين مصر وإسرائيل بعد عملية السلام، وبين تصوُّر ما كانت ستؤول اليه الأوضاع لو قام نظام متطرِّف في القاهرة من جراء هزيمة جديدة».

ويتطرق كيسنجر الى البلبلة التي وقع فيها الاتحاد السوفياتي قبل موافقة ليونيد بريجنيف على مشروع اتفاقية وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل. فقد كانت موسكو حائرة بين واجباتها الثورية تجاه حلفائها العرب، وبين حرصها على حسن العلاقات مع واشنطن.

وأشار كيسنجر الى أن الوصول الى اتفاق مع سوريا حول فك الاشتباك كان أصعب من الاتفاق مع مصر، واستغرق التفاوض بشأنه أكثر من شهر، وقال: «هذا ما زال سارياً الى اليوم. حتى تنظيم «داعش» في سوريا (الدولة الإسلامية في العراق والشام) لاحظوا هذه المحدودية في التحرك الأميركي».

من الملاحظ في هذه التأملات الشفهية لكيسنجر عرضه الذي يتضمن رأيه الشخصي في «الحالة الإسرائيلية» وفي «الحالة العربية». فالمشكلة الإسرائيلية، كما قال، هي أن «الهامش الوجودي» للإسرائيليين ضيِّق جداً، فكانوا مصممين على إظهار كل تفصيل يتنازلون عنه بأنه اشتري بإرهاق نفسي لمفاوضهم في الطرف الآخر. ولذلك فإن كل تفاوض مع الإسرائيليين استمر حتى الدقيقة الأخيرة من الساعة الأخيرة في اليوم الأخير، لكي يبرهنوا لأنفسهم أنهم حصلوا على آخر شيء يمكن الحصول عليه.

وفي المقابل قال كيسنجر: «إن المجتمعات العربية يتنازعها الانفصام بين نوازعها الرسولية، التي تعكس جانباً كبيراً من تاريخها، وبين حقائق الظروف التي هي فيها. ولذلك فإن الدول العربية، خلال مرحلة نيكسون، كانت تتصرف كدول وطنية منفصلة، لكن يبقى هناك تيار رسولي خفي يمكن أن ينفجر في العلن فجأة».

لم يقل كيسنجر ما إذا كان يعتبر «التيار الداعشي» انفجاراً رسولياً...
_________________________________________________________

هذا المقال تنشره "إيلاف" بالاتفاق مع "الديبلوماسي" وهو تقرير شهري يصدره من لندن الصحافي اللبناني ريمون عطاالله ويتوفر بالاشتراك. عدد أكتوبر الجاري