قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو مقهى "أرباب الحرف" الذي زارته "إيلاف" في جدة غرب السعودية، بمثابة المتنفّس والرئة التي تستنشق فنا وابداعا في هذه المدينة، إذ أراد مؤسس هذه المبادرة، عبد الله الحضيف، أن تكون حاضنة للفنانين والحرفيين.

أحمد سيد من جدة: دخلت مقهى "أرباب الحرف" ووجدت في آخره رجل يعزف على آلة البيانو وآخر يغني بدائع الفنان السعودي الراحل طلال مداح وسط حضور يترنّم مع المغني.

وكانت هذه زيارتي الأولى بعد حديث الأصدقاء عنه باستمرار في مجالسهم، عند دخولي للمقهى وجدت على يساري شيخاً كبيراً ملأ الشيب رأسه، كان يردد مع الحضور روائع طلال البديعة بين شباب أكثرهم بعمر أبنائه وأحفاده، وكنتُ أفكر في داخلي بعدما رأيت الصالون الموسيقي يجمع الكبار والصغار في مشهد لم يكن يحدث قبل عدة أعوام.

تساءلت أين الذين غيّبوا المجتمع عن العالم وحرّموا عليهم المجالس الموسيقية والثقافية؟ أين الذين حتى في الدورات التعليمية كانوا يفصلون بين الجنسين بستار أسود خشية الاختلاط الفاتحة لأبواب الفتن، أرباب الحرف كان مختلفاً جداً فهو مقهى يقوم عليه الشاب السعودي عبد الله الحضيف وهو المهندس المعماري الذي وجد نفسه مرتمياً في أحضان الفنون والثقافة ملبّياً شغفه بمقهى يحاكي الانفتاح الذي تعيشه السعودية بعد عقود من التشدد الديني الذي جعل السعوديين يسافرون إلى بلدان أخرى بهدف مشاهدة معرض تشكيلي سعودي أو حضور حفل غنائي لفنّانهم المفضل السعودي، وجميعهم يتشاركون حب الثقافة والفنون ولكن يمنعهم من اللقاء في وطنهم "ظلاميّ متشدد" كما وصفهم الحضيف أثناء لقائي به داخل صومعته الفنية.

التراث والرواية... حاجة الشباب

تحدثت مع الشيخ عبد المجيد الزهراء وهو الطاعن في السن وعرفتُ فيما بعد بأنه باحث لغوي ورجل دين وصفه لي أحد الحضور قائلاً "ابن الزهراء العارف بالدين والدنيا" سألته عن الاختلاف في مثل هذه المجالس عن السابق ورأيه من الناحية الدينية في الانفتاح السعودي، فأجابني: "الانفتاح في المملكة أصبح بغطاء حكومي رسمي وما كان يقام خُفية أو حياء أصبح اليوم أمام الجميع جهاراً نهاراً وهذا لا بأس به إن كانت الأمور معتدلة وكما قيل لا تكن صلباً فتُكسر ولا ليناً فتُعصر".

وأردف قائلاً: "الوسطية أمر مطلوب ونحن مع الانفتاح والترفيه والثقافة إلى حدّ معيّن دون إفراط أو تفريط وهذا مما يشجع الإنسان فهو مكمّل لشخصيته ليس فقط الشخصية العربية أو الإسلامية بل لكل إنسان من ناحية أنه إنسان".

وأضاف الزهراء: "الفراغ الذي كان يعيشه أبناؤنا وبناتنا ملأه أرباب الحرف والمبادرات المماثلة له، وأوضح بأن له نواحي عدة، فهو ثقافي يغذّي احتياجات المثقفين وأدبي يلبّي الناحية الأدبية لدى الإنسان وكذلك موسيقي يملأ الجوانب الموسيقية في داخل الإنسان وهي غذاء الروح، ومن هنا رأيت اهتمام الشباب بمشروع أرباب الحرف كمشروع أدبي وثقافي وله حاجة ملحّة في روح كل إنسان.
يقّدم عبد المجيد الزهراء أمسية ثقافية في أرباب الحرف عن التراث الإسلامي والعربي وكذلك ورشة عمل عن أساسيات كتابة الروايات للمبتدئين فيقول عن ذلك بأنه يدمج التراث ويبلورها ليضيفها في الروايات وأن كثيراً من الكتّاب صنعوا أفلامهم ومسرحياتهم واقتبسوا قصصهم ورواياتهم من التراث وهو ذلك البحر الذي لا ينقطع ماؤه، والتراث تُستخرج منه الحرف والثقافات والفنون والآداب".

أثناء جولتي داخل المقهى تحدثت مع مؤسسها عبد الله الحضيف وأخبرني بأنه أطلق "أرباب الحرف" لتكون حاضنة للفنانين والحرفيين في جدة، وأن الفكرة بدأت في أواخر سنة 2016 وذلك لحاجة المدينة لمكان يجمع الحرفيين والفنانين، معتبراً إياها أول منصة بدأت في هذا المجال وبهذه الفكرة، وولّد المشروع فروعاً له من خلال البيوت الأثرية في منطقة البلد التاريخية.

قطع الحضيف تساؤلاتي حول الدعم المالي لمشروعه عند سؤالي له كيف يدمج بين العمل الربحي كمقهى من جهة والمبادرات الثقافية والفنية غير الربحية من جهة أخرى، أجابني: "أرباب الحرب مشروع غير ربحي، وكل هذا قائم من مالي الخاص، وليست هناك أي جهة تموّلني مادياً"، مضيفاً بأنه أغلق الفرع الأول لمشروع أرباب الحرف بعد أن بلغت خسائره ست مائة ألف ريال لينتقل بعدها إلى الموقع الجديد للمقهى دون أن يؤثر ذلك على البرامج والمبادرات المقدمة للجمهور.

ما السر الذي يجعلك تأتي كل صباح لتشرف على عمل غير ربحي بالرغم من خسارتك لأكثر من نصف مليون ريال؟

يجيب: "السر هو حبي للثقافة والفنون، وخسارتي غلب عليها الشغف للعمل".

مجالس فنية وثقافية

ماذا تقدمون في أرباب الحرف؟

الحضيف: "نقدّم في أرباب الحرف مجالس مختلفة مثل مجلس زرياب الموسيقي وأطلقنا عليه اسم زرياب الموسيقي الشهير البارز كأسطورة في آلة العود، وكذلك لنا مجلس أدبي يقام أصبوحة كل سبت وهو "مجلس العقّاد" يتناول فيه جوانب كثيرة في الأدب ويتناقش حول الأدباء والمفكرين، ومجلس الفنون الجميلة الذي يقدّم فرصة لمحبي الرسم والهواة لتعلم الرسم بمدارسه المختلفة، ولنا مجالس أسرية مجتمعية كمجلس ابن سينا الذي يتحدث حول الاندماج الاجتماعي وسبل تعايش الأسرة والمجتمع.

بالإضافة إلى ذلك نقدم برنامج تاريخ الفن السعودي ونحكي عن مسيرة هذا الفن العظيم قديماً وحديثاً والتي تعكس صورة المملكة الثقافية، ومجلس سينما أرباب والذي يناقش أسبوعياً بحضور النقّاد والمهتمين بالسينما الأفلام المعروضة على شاشات السينما، وبرامجنا تستهدف جميع الفئات العمرية ولدينا ورش عمل للأطفال في الرسم والمسرح.

هل عبد الله الحضيف نشأ في بيت ثقافي أو ما الذي جعلك شغوفاً بالفنون والثقافة إلى هذا الحد؟

الحضيف: ورثت حب الفنون والثقافات من والدي فهو أحد طلاب الدفعة الأولى من خريجي الجامعات في الرياض، وكان عصر كل يوم يجعلنا نقرأ عليه أمهات الكتب، فكان له تأثير كبير على شخصيتي ودعمني ثقافياً، وكان منفتحاً بالرغم من أن ذاك الزمن كان المجتمع منغلقاً، فكان يدعمني رغم أن بعض ما كنت أعمله يخالف التيار الديني المتشدد ولكن دعم والدي هو ما دفعني للاستمرار، وساعدني الآن في أرباب الحرف.

هل أخذت مسمى المقهى من قصيدة أحمد شوقي الشهيرة "نحن أرباب الحرف"؟

أرباب الحرف بالنسبة لي هو ذو شقّين، أرباب الحِرَف وأرباب الحَرْف، فأرباب الحِرَف لأننا نستخدم كثيراً الحرف اليدوية وهي تخدم الجانب الذي نقيم فيه ورش عمل ودورات تعليمية، أما أرباب الحَرْف نستخدمها في المجالس الأدبية والموسيقية وصوالين الشعر.

حدثنا عن البيوت التاريخية التي جعلتها فروعاً لأرباب الحرف؟

لدي ثلاثة بيوت في منطقة البلد التاريخية بجدة، أولها بيت الحضيف التاريخي وعمره أكثر من 200 عام وفيها 16 غرفة كل غرفة فيها تحتوي على شكل من الطراز القديم وأعدت ترميمها وتأهيلها بالكامل بجهود شخصية وكان آيلاً للسقوط فقمنا بتعديله وتقويمه.

البيت الثاني هو بيت زرياب وعمره 150 عاماً وأعدت ترميمه وجعلته معهداً موسيقياً وأعمل على إصدار الرخص اللازمة لها.

آخر تلك البيوت هو متحف الحضيف وتعتبر أطول عمارة في منطقة البلد التاريخية مكوّنة من خمسة أدوار وعمرها يقارب الـ140 عاماً وبُنيت بشكل تقليدي وهي من البنايات اعتمدها اليونسكو كتراث إنساني عالمي ضمن منطقة البلد التاريخية.

وكنت أعدت ترميم هذه البيوت الثلاثة بالكامل قبل أن تضع المملكة خطتها في إعادة بناء وتطوير منطقة البلد التاريخية.

هل لديكم أي فروع أخرى أو خطط مستقبلية في مناطق المملكة؟

نتطلع إلى فتح فروع أخرى في كل مناطق متى ما وجدنا المستثمرين والداعمين ومستعدون لنشر التنوير والانفتاح حسب رؤية الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان في جعل السعودية بلداً منفتحاً على العالم وتحارب الظلام والمتشددين الذين دمروها خلال الأربعة عقود الماضية، ونحن نحارب من أجل إعادة المملكة إلى صورتها السابقة وتكون مملكة الانفتاح والتسامح.

أنت ابن الرياض ما الذي جعلك تقدم إلى جدة لإقامة مشروعك؟

أنا ابن نجد البدوي الذي يبلغ عمره ثلاث سنوات في جدة وقدمت إليها وأشعلت فيها نيران الثقافة، وأنا لا أعرفها ولستُ ابناً لها، وهذا ما عملتُه في ثلاثة سنوات لأهل الحجاز.

ما الذي من الممكن تقدّمه في السنوات المقبلة؟

القادم مليء بالمفاجآت ولا أعلم ما الذي من الممكن أن يحدث مستقبلاً، وبعد عدة أيام نفتتح أول سينما منزلي وأطلقنا عليه "السيما" ونعمل على توليد الأفكار المذهلة.

هل سبق وأن تعرضتم للمضايقات؟

نعم تعرّضنا لمضايقات كثيرة بداية افتتاحنا للمقهى في أواخر 2016 وبداية 2017 من بعض المتشددين والمحتسبين، ولكن تلاشت هذه المضايقات بعد الانفتاح الحكومي في هذين السنتين والتي أتت بفضل توجيهات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وعمله على محاربة التطرف والصوت الواحد، ونحن ندين لرؤية المملكة 2030 الكثير جداً والتي بفضلها وبسبب هذه التغيّرات التي ساعدت أرباب الحرف على الاستمرارية.

ما هي برامج أرباب الحرف خارج جدة؟

يقوم أعضاء أرباب الحرف شهرياً بزيارة مناطق المملكة باستمرار لاكتشاف المواقع والمعالم التاريخية والأثرية بالمملكة لإظهار الصورة الحقيقة للمملكة مع الانفتاح الذي تعيشه المملكة تجاه السياحة، وفتح التأشيرات السياحية ساعدتنا في مرافقة السيّاح القادمين من الخارج لتعريفهم بالتراث والمعالم السعودية.

ابن سيهات وجد في جدة ضالّته

بعد انتهاء جولتي داخل المقهى عرّفني الحضيف على أحد مرتادي المقهى منذ عامين واسمه بأن محمد عبد الله ابن لمدينة سيهات بالمنطقة الشرقية ويدرس في جدة وحريص على حضور مجالس ومبادرات المقهى باستمرار.

أخبرني محمد عبد الله بأن أرباب الحرف جعل دائرته الاجتماعية تتسع وزرع فيه ثقافة تقبل الرأي والرأي الآخر، وأن المقهى لا يتحيّز لفكر أو رأي معيّن ويناقش موضوعات كانت مناقشتها في السابق أشبه ما تكون محرّمة، غير متحيّز لفكرة أو رأي.

ويضيف محمد: "أرباب الحرف هو بمثابة بيتي الثاني وأجلس فيه باستمرار وتعلمت فيه الكثير، وحضرت فيها ورشة عمل حول نظرية الموسيقى ومحاضرات عن الفلسفة والمنطق قدّمها أحد رجال الدين المعروفين في المملكة والذي تحدث كذلك عن المحتسبين وأعمالهم".

ويضيف محمد عبد الله في حديثه عن المقهى بأن "اختلاف مجتمع أرباب الحرف عن غيره من الكافيهات والأندية الثقافية هو ما جعلني أحرص على الحضور فيه باستمرار، وأضاف لي علاقات جديدة مع موسيقيين ومثقفين وأدباء، وأكثر ما أحرص على حضوره هو صالون زرياب الموسيقي، وهو من المجالس التي لا تقتصر فقط على أنغام الموسيقى إنما يقدّم محاضرات في علم الموسيقى وتاريخه".

أرباب الحرف وجميلة

التقيت في المقهى بفتاة اسمها جميلة وقالت بأنها المرة الأولى التي تأتي فيه لمقهى أرباب الحرف حضورها الأول للمقهى وأن أكثر ما جذبها في زيارتها الأولى برامج المقهى ومبادراته المتنوعة في الموسيقى والرسم والمسرح وغيرها، وأن المقهى هو الأول من نوعه في محافظة جدة ولم يكن قبله أي مقهى مشابه له ولا حتى الآن خصوصاً وأن جدة تحتاج كثيراً لمثل هذه الحاضنات الثقافية خصوصاً مراكز تعليم الموسيقى والرسم فلذلك أرباب الحرف كانت هي الحضن لكثير من المهتمين بالفنون والأدب والثقافة من ناحية مساعدته في تنمية المواهب لدى الكثير من الشباب، وبالنسبة لي فإنني أعمل على تعلم العزف على البيانو.