قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أميط اللثام عن تمثال جديد بميدان الطرف الأغر التاريخي بوسط لندن.

لكنه هذه المرة، ليس لأحد أبطال الحرب أو الملوك البريطانيين، بل إنه تمثال ضخم لجون تشيليمبوي، القس المعمداني المالاوي الذي كان من أنصار التعاون والأخوة بين الشعوب الأفريقية، وكان يحارب ضد الحكم الاستعماري البريطاني.

وبهذا يصبح التمثال، الذي سُمي آنتيلوب (Antelope) أي الظبي بالعربية، أحدث قطعة فنية توضع على "قاعدة التمثال الرابعة" ذات الشهرة العالمية بالميدان.

فمنذ عام 2003، يوضع عمل فني جديد على تلك القاعدة كل سنتين. وكان من المفترض، في بادئ الأمر، أن تحمل القاعدة الرابعة تمثالا للمك ويليام الرابع، لكنها ظلت فارغة لعدم توافر ما يكفي من الاعتمادات المالية لتنفيذ ذلك المشروع، ثم أصبح يعرض فوقها قطع فنية حديثة يتم اختيارها من قبل لجنة خاصة وبعد إجراء مشاورات شعبية.

وأصبح تمثال تشيليمبوي البالغ طوله خمسة أمتار أول تمثال لشخصية أفريقية يوضع في ميدان الطرف الأغر.

المنحوتة المصنوعة من البرونز مستوحاة من صورة التقطت عام 1914 لتشيليمبوي وهو يقف إلى جانب المبشر المسيحي البريطاني، جون تشورلي، أمام كنيسته في قرية مبومبي جنوبي مالاوي.

يظهر تشيليمبوي في الصورة مرتديا قبعة عريضة الحافة، ما كان يعد خرقا لقواعد الحكم الاستعماري التي كانت تحظر على الأفارقة ارتداء القبعات أمام أشخاص بيض.


وفي حين أن الاثنين يقفان جنبا إلى جنب في الصورة، إلا أن الفنان الذي نحت التمثال أجرى تعديلا من شأنه ضمان أن يلفت تشيليمبوي أنظار الناس.

فقد صمم الفنان المالاوي المولد، سامسون كامبالو، القطعة الفنية بحيث جعل حجم تشيليمبوي أكبر بكثير من حجم تشورلي. وسيقف تمثاله عاليا، يطغى على تمثال تشورلي.

وجاء على موقع عمدة لندن على الإنترنت: "من خلال زيادة المقاييس، فإن الفنان يُعلي (شأن) تشيليمبوي وتاريخه، ويبرز الأشخاص الذين لم يتم تمثيلهم بشكل كاف في تاريخ الإمبراطورية البريطانية في أفريقيا وما وراءها".

ورغم أن النصب وضع في مكان بارز في لندن، إلا أن تشيليمبوي يظل شخصية مجهولة بالنسبة لكثيرين.

يقول الفنان كامبالو، وهو أستاذ مشارك بكلية الفنون الجميلة بجامعة أوكسفورد بإنجلترا: "ربما هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يعرفون من هو تشيليمبوي. وهذا هو الهدف [من وراء التمثال]".

يعتبر تشيليمبوي على نطاق واسع واحدا من أوائل الأفارقة الذين حاربوا ضد ظلم الاستعمار في القرن العشرين؛ حيث تزعم انتفاضة ضد البريطانيين في مالاوي (التي كانت تعرف سابقا باسم نياسالاند) عام 1915.

وعلى الرغم من أن الانتفاضة لم تستمر طويلا، إلا أنها أحدثت صدى عبر أنحاء القارة الأفريقية وخارجها.

وقد تأثر بتشيليمبوي عدد من رموز التحرير السود، من أمثال الناشط السياسي الجامايكي، ماركوس غارفي، وجون لانغاليباليلي دوبي الرئيس المؤسس لما أصبح فيما بعد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.

غير النحات مقاييس الصورة، حيث عمد إلى تكبير حجم تشيليمبوي
Getty Images
غير النحات مقاييس الصورة، حيث عمد إلى تكبير حجم تشيليمبوي

ولد تشيليمبوي في سبعينيات القرن التاسع عشر، ونشأ في منطقة تشيرادزولو بمالاوي.

كان واحدا من بين أربعة أبناء، وكان والده ينحدر من شعب "الياو"، في حين كانت تنتمي والدته إلى عرقية "المانغانجا".

ونظرا لكونه نشأ في تشيرادزولو، فقد تأثر بشكل كبير بالمبشرين الإسكتلنديين الذين ذهبوا إلى مالاوي سيرا على خطى المستكشف، ديفيد ليفينغستون.

وهناك، التقى للمرة الأولى بمبشر راديكالي يدعى جوزيف بوذ، والذي اشتهر برفع شعار "أفريقيا للأفارقة".

وأصبح تشيليمبوي واحدا من تلاميذ بوذ الأوائل، وسافر الاثنان إلى الولايات المتحدة؛ حيث درس تشيليمبوي علوم اللاهوت في ولاية فيرجينيا.

وأثناء الفترة التي قضاها في الولايات المتحدة، شهد تشيليمبوي معاناة الأفارقة الأمريكيين خلال ما يعرف بفترة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب الأهلية الأمريكية وإلغاء العبودية.

بعد ذلك ببضعة أعوام، غادر الولايات المتحدة وهو متحفز لمكافحة الظلم الاستعماري الذي رآه في بلاده.

وبمجرد عودته إلى مالاوي، عكف تشيليمبوي بعد رسامته كاهنا على إنشاء بعثة تبشير في تشيرادزولو؛ فشيّد كنيسة وعدة مدارس، وزرع محاصيل القطن والشاي والقهوة بمساعدة مالية من الولايات المتحدة.

مقاومة الاستعمار

وجد تشيليمبوي لدى عودته أن ثمة مقاومة متنامية للحكم البريطاني، أججتها قوانين جديدة أدت إلى طرد المزارعين الملاويين من أراضيهم، في حين كان يُجبَر كثيرون منهم على العمل في المزارع التي يمتلكها الأشخاص البيض تحت وطأة أوضاع مزرية.

كما كان لتشيليمبوي شكاوى أخرى من حكام الاستعمار في أعقاب نشوب الحرب العالمية الأولى؛ حيث كانوا يجبرون الجنود الملاويين على الاشتراك في القتال ضد الجيش الألماني فيما يعرف حاليا بدولة تنزانيا.

كتب تشيليمبوي خطابا للصحيفة الوحيدة التي كانت تصدر في البلاد في ذلك الوقت أعرب فيه عن سخطه. ويُعتقد أنه بدأ بعد ذلك بوقت قصير في التخطيط للتمرد، الذي بدأ في يناير/كانون الثاني عام 1915.

بيد أنه سرعان ما أُحبطت محاولات تشيليمبوي في شن هجمات على المستوطنين البيض، وتأهبت القوات البريطانية لمحاربة الثورة فور اندلاعها.

لم تسفر ثورته سوى عن بضعة خسائر في الأرواح، ورصد الجيش البريطاني مكافأة لمن يسلمه تشيلمبوي ومؤيديه.

بعد ذلك بأيام قليلة، أطلق جنود أفارقة النار عليه فأردوه قتيلا بينما كان يحاول عبور الحدود باتجاه ما يعرف الآن بدولة موزمبيق.

وعلى الرغم من أن انتفاضته لم يكتب لها النجاح، يقول المؤرخون إن محاولة تشيليمبوي كانت بمثابة اللبنة الأولى لحركات التحرر الأفريقية.

واليوم، بالإمكان رؤية إرث تشيلمبوي في شتى أنحاء مالاوي؛ فقد أطلق اسمه على عدة طرق، في حين تطبع صورته على عملة البلاد، "الكواتشا"، فضلا عن طوابعها البريدية.

تطبع صورة تشيلمبوي على أوراق العملة المالاوية
Peter Jegwa/BBC
تطبع صورة تشيلمبوي على أوراق العملة المالاوية

ويحتفل بيوم جون تشيليمبوي في الـ 15 من يناير/كانون الثاني من كل عام.

غير أن المؤرخين يقولون إن ثمة جدلا متواصلا حول أهميته.

يقول المؤرخ المالاوي، موتي مايكل فويا: "في يوم تشيليمبوي من كل عام، تنشر الصحف والمطبوعات الرقمية مقالات تناقش فيها إرثه".

ويمضي فويا بالقول إنه "في حين أن الغالبية تتفق على أنه يشكل أهمية كبيرة لتاريخ مالاوي، يقول البعض إن انتفاضته كانت سابقة لأوانها. لكن منحوتة السيد كامبالو ربما تشعل هذا الحوار من جديد، وربما نرى اهتماما متجددا بتاريخه".

يتفق كامبالو مع هذا الرأي، إذ يقول إنه يأمل في أن يؤدي التمثال إلى "بدء حوار في بريطانيا التي لا زالت تعيد تقييم ماضيها الاستعماري. المنحوتة تسلط الضوء على التاريخ المنسي للإمبراطورية، والمجتمع لا يزال في مرحلة البحث عن ذلك الاعتراف".