الثلاثاء: 11. 10. 2005

د. محمد عابد الجابري

لعل من أهم ما يلفت النظر في التصنيف الذي تبناه كل من الجاحظ والشهرستاني للتمييز بين الفضاءات الحضارية في عصرهما (المقال السابق) هو ابتعاد كل منهما عن أية نزعة عنصرية، عرقية أو دينية أو طائفية· لقد اعتمد كل منهما الجانب المعرفي الإبيستيمولوجي أساساً للتمييز بين الشعوب والأمم· وهذا مقياس موضوعي حضاري محايد· الجاحظ نظر إلى طريقة إنتاج المعرفة فجمع العرب والهنود في صنف واحد باعتبار أنهم يعتمدون -حسب رأيه- على مجرد الحدس في التعامل مع الأشياء معرفياً· أما الشهرستاني فقد نظر إلى مصدر المعرفة التي يوظفها الناس في رؤيتهم للعالم فميز بين ''أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل''·
ومع أن الشهرستاني كان متكلماً (والمتكلم بالتعريف هو المدافع عن العقيدة الإسلامية ضد غيرها من العقائد)، وأنه كان أشعري المذهب (أي سنياً سلفياً منفتحاً على الجدل العقلي)، فإنه عرض آراء ''أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل'' بموضوعية وحياد قل نظيرهما في عصره، داخل العالم الإسلامي وخارجه، بل يجب الاعتراف بأننا نفتقدهما في الجدل المذهبي والعقدي والطائفي السائد اليوم·
خصص الشهرستاني كتابه ''الملل والنحل''، إذن، لشرح آراء ومذاهب الشعوب والأمم في عصره مبتدئاً بـ''أهل الديانات'' وفي مقدمتهم الفرق الإسلامية، المتكلمة في ''أصول الدين'' أي في العقيدة الإسلامية، مع نبذة عن ''أهل الفروع (الفقه) المختلفين في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية''، لينتقل بعد ذلك إلى عرض معتقدات أهل الكتاب (اليهود والنصارى وفرقهم)، ثم معتقدات ''من له شبهة كتاب'' وهم المجوس والثنوية (وقد صنفهم مع أهل الديانات لأن لديهم ''بعض صحف إبراهيم عليه السلام''، ومعلوم أن القرآن الكريم صنف المجوسية والصابئة كدينين وذكرهما)· بعد ذلك ينتقل إلى ''أهل الأهواء والنحل''، فتحدث عن معتقدات فريق من الصابئة هم صابئة حران ''أصحاب الروحانيات'' (فرع من الهرمسية)، ثم ''أصحاب الهياكل'' (عبدة الكواكب السبعة السيارة بوصفها وسطاء بين الله والناس)، وعبدة ''الأشخاص'' (تماثيل وتشخيصات لتلك الهياكل: الأصنام)· يلي ذلك عرض مفصل للفلسفة والفلاسفة كما كان يؤرخ لهما في عصره والعصور السابقة له (انطلاقا من طاليس إلى فرفوريوس إلى فلاسفة الإسلام، معتمداً على ابن سينا كممثل لهم جميعاً)· يلي ذلك عرض لآراء العرب في الجاهلية، ثم لآراء الهنود·
واضح أن الشهرستاني لم يتبع منهجاً تاريخياً في عرضه لآراء ومذاهب ''أهل العالم'' كما عرفها عصره، بل سلك منهجاً بنيوياً -إذا جاز التعبير- انطلق فيه من إرجاع ''الآراء والمذاهب'' الفكرية إلى الأصل المعرفي الذي تصدر عنه: وهو إما النبوة وبالتالي الدين، وإما العقل وبالتالي الفلسفة والديانات الوثنية· وواضح أن هذه الثنائية -ثنائية دين/ عقل- تتطابق مع ثنائيات أخرى يعبر عنها بألفاظ مختلفة مثل: روح/ مادة، دنيا/ آخرة·· الخ· إنها، وبصورة عامة، تلك الثنائية ''الغريبة'' التي أثارت فضول ذلك الشاب الياباني الذي تحدثنا عنه في مقالة سابقة والتي اعتبرها خاصية لفكر ''الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط'': ثنائية النفس والبدن· وقد لا نبعد عن الصواب إذا قلنا إن ما ندعوه اليوم بإشكالية الأصالة والمعاصرة، أو التراث والحداثة، تتطابق مع تلك الثنائية، ولا يفصلها عنها سوى عامل التطور، على صعيد المصطلحات والمفاهيم وليس على صعيد المضمون·
على أن ما يجب أن نركز عليه هنا، لكونه ألصق بموضوعنا، أمران اثنان:
الأول هو أن الشهرستاني قد أغفل -وربما كان يجهل- ما وراء الهند من ''ملل ونحل''، من ''فرق وآراء''، وهذا يعني أن الشرق الأقصى لم يكن يدخل في دائرة تفكيره، وذلك علامة على أنه لم يكن له حضور ما في الفضاء الحضاري للثقافة العربية التي عبرت عن طابعها ''العالمي'' من خلال كتاب الشهرستاني وكتب أخرى مماثلة، والتي إن ورد فيها ذكر للصين فإنه لا يتجاوز مجال السلع والتجارة والحكايات الخرافية، خالياً أو يكاد من الإشارة إلى ملل أهلها ونحلهم·
أما الأمر الثاني فهو أن ''الملل والنحل'' التي اهتم بها الشهرستاني هي تلك التي كانت آراؤها تشكل في عصره ''الموروث القديم'' الذي أغنى الثقافة العربية الإسلامية بتنوعه وتداخله، فوجدت فيه ''ما وراء تاريخها''، ومؤطر آفاقها، و''الآخر'' الذي به تتعرف على نفسها··· وفي نظري فإن رسم معالم الفضاء الحضاري للثقافة العربية يجب أن يبدأ من اكتساب تصور واضح بقدر الإمكان عن أنواع حضور هذا ''الموروث القديم'' وتحديد مواقع تواجده في الفضاء الجغرافي الذي استوعبته الحضارة العربية الإسلامية·
لنبدأ أولاً بالفصل في مسألة سبق أن أشار إليها الجاحظ وقررها الشهرستاني وهي ذلك التصنيف الذي عرضنا له في المقال السابق والذي يجعل العرب والهنود يتقاربان على ''مذهب واحد'' في اكتساب المعرفة، وهو الحدس والتعبير الوجداني، وذلك في مقابل ''الروم والعجم'' (اليونان والفرس)، الذين ''أكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية''، كما يقول الشهرستاني· والسؤال الذي يطرح نفسه هنا سؤال مضاعف: هل صحيح أن العرب والهنود يجمعهم نمط ثقافي واحد؟ وهل صحيح أن الفرس والروم (اليونان والرومان) يشتركون في نمط ثقافي واحد؟
أما عن السؤال الأول فلاشك أننا كنا سنوافق الجاحظ والشهرستاني على دعواهما لو أننا نظرنا إلى الموضوع من الزاوية التي نظرا منها، أي من الزاوية الإبيستيمولوجية المحض، التي تعنى بالبحث في طريقة التفكير واكتساب المعرفة بحثاً نقدياً· فمن هذه الناحية سيبرز الاختلاف واضحاً بين الطريقة الفلسفية التي تعتمد المنطق والتي هي خاصة باليونان وقد تأثر بها الرومان والفرس، والطريقة الحدسية الوجدانية التي نجدها مهيمنة عند العرب في أشعارهم ولدى الهنود في ديانتهم· لكن هذا لا يعني بالضرورة أن العرب والهنود ينتميان إلى نمط ثقافي واحد، ولا أن الرومان واليونان والفرس يجمعهم نمط ثقافي آخر، بل الصحيح أننا هنا إزاء أربعة أنماط ثقافية لكل منها خصوصيته·
وإذا نحن بدأنا بالنمط الثقافي الهندي وبحثنا عن مدى حضوره في الفضاء الحضاري للثقافة العربية فسنجده باهتاً للغاية· فابن النديم لا يذكر سوى كتاب واحد عن الهند ترجم لخالد البرمكي في القرن الثالث الهجري، وعن هذا الكتاب نقل ابن النديم أسماء مواضيع العبادات ببلاد الهند ونتفاً عن فرقهم· أما في مجال الترجمة فلم يذكر ابن النديم سوى مترجمين اثنين من أصل هندي في مقابل عشرات بل مئات من المترجمين إلى العربية عن الفارسية والسريانية واليونانية·
نعم لقد أخذ العرب الحساب والجبر من الهند كما تعرفوا على جانب من فكرهم السياسي من خلال كليلة ودمنة· ومع ذلك فالغموض يسود هذا الجانب· فكليلة ودمنة ترجمت إلى العربية من الفارسية وليس هناك وضوح كافٍ بين الأصل الهندي لهذا الكتاب وبين ترجمته الفارسية· أما الحساب (والجبر والأرقام) فهو لغة رمزية، مجردة، تنتقل كما هي من ثقافة لأخرى دون أن تحمل معها خصوصية الثقافة المنقول منها·
والحق أن حضور الهند في الثقافة العربية يكاد يكون من الضآلة في مستوى حضور الصين التي ختم بها ابن النديم كلامه عن الهند، فأورد ما حكاه له عنها من أخبار جلها ذو طابع خرافي، راهب من نصارى نجران بعثه رئيسها مع جماعة من الرهبان إلى الصين للتبشير هناك· وقد لاحظ القفطي أنه ''لبعد الهند عن بلادنا قلت تآليفهم عندنا فلم يصلنا إلا طرف من علومهم ولا سمعنا إلا بالقليل من علمائهم''· وعندما يتعلق الأمر بمجال ''الملل والنحل'' فيشبه أن يكون بين الثقافتين نوع من ''القطيعة'' تام، وهذا ما يبرزه بجلاء العالم الخبير بشؤون الهند أبو الريحان البيروني·