الثلاثاء: 13. 09. 2005
د. محمد عابد الجابري
كلنا نعرف أن الثقافة العربية تعاني، منذ ما يقرب من قرنيـن، وضعا متوترا نتيجة احتكاكها مع الثقافة الغربية، بتقنياتها وعلومها وقيمها الحضارية التي هي نتيجة تطور خاص قوامه التحديث والحداثة، تطور لم تعشه الثقافة العربية، بل بقيت بمعزل عنه تجتر وضعا قديما توقف عن النمو منذ قرون.
ومن هنا تلك الثنائية التي تطبع الثقافة العربية بمختلف مستوياتها المادية والروحية، ثنائية التقليدي والعصري. وهي ثنائية تكرس الازدواجية والانشطار داخل الهوية الثقافية العربية بمستوياتها الثلاثة: الفردي والجمعوي والوطني القومي: أحد طرفي هذه الثنائية يعكس الهوية الثقافية على صورة "جمود على التقليد" ضمن قوالب ومفاهيم وآليات دفاعية تستعصي على الاختراق وتقاوم التجديد. والآخر يجسم الاختراق الثقافي وقد اكتسح الساحة اكتساحا ليتحول إلى ثقافة الاختراق، أعني الثقافة المبشرة به المكرسة له.
في هذا الإطار إذن يجب أن نضع خصوصية العلاقة بين العولمة والهوية الثقافية عندما يتعلق الأمر بالوطن العربي. فالاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة لا يقف عند حدود تكريس الاستتباع الحضاري بوجه عام فحسب، بل إنه أيضا سلاح خطير يكرس الثنائية والانشطار في الهوية الوطنية القومية، ليس الآن فقط بل وعلى مدى الأجيال الصاعدة والقادمة. ذلك أن الوسائل السمعية البصرية، المرئية واللامرئية التي تحمل هذا الاختراق وتكرسه إنما تملكها وتستفيد منها فئة معينة هي النخبة العصرية وحواشيها، فهي التي تستطيع امتلاكها والتعامل مع لغاتها الأجنبية، بحكم التعليم "العصري" الذي تتلقاه. أما "عموم الشعب" وعلى رأسه النخبة التقليدية فهو في شبه عزلة، يجتر بصورة أو بأخرى ثقافة "الجمود على التقليد". والنتيجة استمرار إعادة إنتاج متواصلة ومتعاظمة للثنائية نفسها، ثنائية التقليدي والعصري، ثنائية الأصالة والمعاصرة، في الثقافة والفكر والسلوك.
ما العمل إزاء هذه السلبيات والأخطار التي تطبع علاقة العولمة بالعرب على صعيد الهوية الثقافية؟
هناك موقفان سهلان، وهما السائدان: موقف الرفض المطلق وسلاحه الانغلاق الكلي وما يتبع ذلك من ردود فعل سلبية محاربة... وموقف القبول التام للعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي واستتباع حضاري، شعاره "الانفتاح على العصر" و"المراهنة على الحداثة".
لا مفر من تصنيف هذين الموقفين ضمن المواقف اللاتاريخية التي تواجه المشاكل، ليس بعقل واثق بنفسه متمكن من قدراته، وإنما تستقبلها بعقل "مستقيل" لا يرى صاحبه مخرجا من المشاكل إلا بالهروب منها، إما إلى الوراء وإما إلى الأمام، كل سلاحه رؤية سحرية للعالم تقفز على الواقع إلى اللاواقع.
إن الانغلاق موقف سلبي، غير فاعل. ذلك لأن فعله "الموجه" ضد الاختراق الثقافي -أي محاربته له- لا ينال الاختراق ولا يمسه ولا يفعل فيه أي فعل، بل فعله موجه كله إلى الذات قصد "تحصينها". والتحصين إنما يكون مفيدا عندما يكون المتحاربان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات. أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية تدخل جميع البيوت وتفعل فعلها بالإغراء والعدوى والحاجة، ويفرضها أصحابها فرضا بتخطيط واستراتيجية، فإن الانغلاق في هذه الحالة ينقلب إلى موت بطيء ، قد تتخلله بطولات مدهشة ولكن صاحبه محكوم عليه بالإخفاق.
ومثل الانغلاق مثل مقابله: الاغتراب. إن ثقافة الاغتراب، أعني إيديولوجيا الارتماء في أحضان العولمة والاندماج فيها، ثقافة تنطلق من الفراغ، أي من اللاهوية، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تبني هوية ولا كيانا. يقول أصحاب هذا الموقف: إنه لا فائدة في المقاومة ولا في الالتجاء إلى التراث، بل يجب الانخراط في العولمة من دون تردد ومن دون حدود، لأنها ظاهرة حضارية عالمية لا يمكن الوقوف ضدها ولا تحقيق التقدم خارجها. إن الأمر يتعلق بـ "قطار يجب أن نركبه" وهو ماض في طريقه بنا أو بدوننا. ولا يوضح أصحاب هذه الدعوى هل سنبزر هوياتنا عند ركوب القطار أم أننا سنركبه بدون هوية، بدون ورقة تعريف، كما يفعل...!؟
أما نحن فنرى أن الجواب الصحيح عن سؤال "ما العمل"؟ –سواء إزاء الثنائية والانشطار اللذين تعاني منهما الثقافة العربية، أو إزاء الاختراق الثقافي وإيديولوجيا العولمة- يجب أن ينطلق أولا وقبل كل شيء من العمل داخل الثقافة العربية نفسها. ذلك لأنه سواء تعلق الأمر بالمجال الثقافي أو بغيره، فمن المؤكد أنه لولا الضعف الداخلي لما استطاع الفعل الخارجي أن يمارس تأثيره بالصورة التي تجعل منه خطرا على الكيان والهوية.
إن الثنائية والانشطار -اللذين تحدثنا عنهما واللذين يشكلان نقطة الضعف الخطيرة في واقعنا الثقافي الراهن التي منها يمارس الاختراق تأثيره التخريبي- إنما يعكسان وضعية ثقافة لم تتم بعد إعادة بنائها، وضعية ثقافية يتزامن فيها القديم والجديد، والأصيل والوافد، في غير ما تفاعل ولا اندماج. وهذا راجع إلى أن التجديد في ثقافتنا كان يراد له، منذ أزيد من قرن، أن يتم من "الخارج": بنشر الفكر الحديث على سطحها. لقد سبق لنا أن أكدنا مرارا على أن تجديد الثقافة، أية ثقافة، لا يمكن أن يتم إلا من داخلها: بإعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل. ونعود فنؤكد هنا هذا المعنى.
إن حاجتنا إلى تجديد ثقافتنا وإغناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا إلخ، لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لابد منها لممارسة التحديث ودخول عصر العلم والتكنولوجيا، دخول الذوات الفاعلة المستقلة وليس دخول "الموضوعات" المنفعلة المسيرة. وليست هاتان الحاجتان الضروريتان متعارضتين كما قد يبدو لأول وهلة، بل بالعكس هما متكاملتان، أو على الأصح متلازمتان تلازم الشرط مع المشروط . ذلك لأنه من الحقائق البديهية في عالم اليوم أن نجاح أي بلد من البلدان، النامية منها أو التي هي في "طريق" النمو، نجاحه في الحفاظ على الهوية والدفاع عن الخصوصية، مشروط أكثر من أي وقت مضى بمدى عمق عملية التحديث الجارية في هذا البلد، عملية الانخراط الواعي، النامي والمتجذر، في عصر العلم والتكنولوجيا.
والوسيلة في كل ذلك واحدة: اعتماد الإمكانيات اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسها، أعني الجوانب الإيجابية منها وفي مقدمتها العلم والتكنولوجيا. وهذا ما نلمسه بوضوح في تخطيطات الدول الأوروبية التي يُدَق في كثير منها ناقوسُ خطر "الغزو الأميركي" الإعلامي الثقافي الذي يتهددها، في لغتها وسلوك أبنائها وتصوراتهم الجمعية، والذي يوظف أرقى وسائل العلم والتكنولوجيا في اكتساح مختلف الحقول المعرفية والخصوصيات الثقافية.
إن أوروبا اليوم تتحدث حديث الخصوصية والأصالة، وتتحدث عن "الهوية" الوطنية والأوروبية تعزيزا لسيرها الجدي على طريق تشييد الوحدة بين شعوبها وأقطارها، بخطوات عقلانية محسوبة في إطار من الممارسة الديمقراطية الحق. وهي بذلك تقدم لمستعمراتها القديمة، لأقطار العالم الثالث كله، نموذجا صالحا للاقتداء به بعد ملاءمته مع الخصوصيات المحلية.
إن جل الحكومات العربية، إن لم يكن جميعها، تسعى اليوم لتحقيق "الشراكة" مع أوروبا، الشراكة في مجال الاقتصاد، وأيضا في مجال الثقافة. ومع أن هذه الشراكة المطلوبة تمليها على الجانبين ظرفيةٌ تحكمها المصالح القومية فإنه لا شيء يضمن عدم تحولها إلى عولمة أخرى داخل العولمة الكبرى، غير شيء واحد، هو بناء الشراكة في الداخل كما في الخارج على الديمقراطية والعقلانية.
فهل للشعوب العربية أن تطالب بالشراكة مع أوروبا في مجال اعتماد العقلانية والديمقراطية، في الفكر والسلوك، في التخطيط والإنجاز، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة؟
العولمة نظام system، والنظام لا يقاوم من خارجه إلا بنظام مكافئ له أو متفوق عليه. ونحن في العالم العربي نعيش حالة اللانظام. ليس لدينا نظام عربي يكافئ النظام العالمي للعولمة. فلا سبيل إذن إلى مقاومة سلبيات العولمة إلا من داخل العولمة نفسها، بأدواتها وبإحراجها في قيمها وتجاوزاتها. وأيضا بفرض نوع من النظام على الفوضى العربية القائمة، فوضى اللانظام.














التعليقات