علي كنعان


أية جريمة فظيعة ارتكبها ميشيل كيلو حتي يبيت ليله في ظلمة المعتقل، وقد تجاوز الخامسة والستين من عمره؟! هل نسي أن يجعل حسابه سريا في المصارف الأمريكية.. أم تلقي دعما من الكتلة الصهيونية في الكونغرس العتيد؟ أم أن ساداتنا اكتشفوا بعبقريتهم البوليسية المذهلة أنه اختار نوع الدبابة الأمريكية التي سيحتل بفضلها منصبه الموعود في المرحلة القادمة؟ أم لعلهم تسللوا إلي أحلامه فتبين لهم أنه كان يراود أطيافا محرمة من الحرية والعدالة وسيادة القانون وكرامة المواطن؟ أم أنهم ضبطوه متلبسا بجريمة التفكير بالجولان وما شابه من الأمور الثانوية التي فرضوا علينا ضرورة تناسيها ونفيها من الذاكرة؟!
أسئلة كثيرة، جارحة وموجعة، تضغط علي الروح وتوشك أن تخنقها قبل أن تصل إلي الرأس والقلب والوجدان.
هذا الكاتب الوطني المستنير والصديق العزيز، لم يكن أبدا من أنصار البلاغ رقم واحد ، سواء كان فرسانه ذوي صبغة وطنية خالصة.. أو كانوا من العائدين في ظل البوارج القادمة من أطراف القواعد الإمبراطورية المنتشرة في العالم من أوكيناوا اليابانية حتي أمريكا اللاتينية.
لقد قام بعض الكتاب من قصار النظر في المعارضة السورية باتهامه أنه يمالئ السلطة ويسعي إلي إرساء جسور للحوار مع بعض أطرافها، وكأن تجربة العراق ـ علي دمويتها ـ هي النموذج المرتجي. واليوم يقوم عدد من صغار أزلام النظام البوليسي بالهجوم عليه ومحاولة تجريده من تاريخه الوطني المعروف، علي امتداد الوطن العربي، بأنه من دعاة إنعاش المجتمع المدني وإنجاز البناء الديمقراطي.
واللافت للنظر أن الموقع الإلكتروني الذي يفتح صدره لهذا الهجوم الظلامي الغاشم كان صاحبه من أشد المنادين بإسقاط السيد فاروق الشرع وتحميله كل تبعات السياسة السورية لصالح السيد خدام! لكن ذلك المخلوق الإمعة سرعان ما لعق كلماته ومواقفه السابقة واحتمي بأحذية الجناح المنتصر، ولو إلي حين، بانتظار ما سوف تتكشف عنه اتجاهات الريح القادمة!
الطريف في حملة الهجوم علي ميشيل كيلو، من خلال تفنيد بيان المثقفين السوريين ـ اللبنانيين، أن أبواقها بلا أسماء. إنهم لا يجازفون حتي بذكر أسمائهم الأولي ولا يجرؤون علي ذلك، مع أنهم يكتبون في موقع شامي ، كلي الحماية والرعاية، ويشرف عليه عتاة الأجهزة البوليسية.
ولعل أفضل ما أختم به استنكاري هذا تلك الكلمات الحميمة الصادقة التي قالها الأستاذ كيلو في آخر مقالة قرأتها له، وهي أشبه ما تكون بالكوميديا السوداء التي تعبر عنها أوراق نعوات سورية في مدينته اللاذقية، إذ يقول:
هذا الحال، بدأ يتغير في السنوات الأخيرة، حيث تشكلت في المدينة لجان تعني بالعمل الوطني الديمقراطي، انتسب إليها طوعيا ولأغراض بعيدة كل البعد عن أي غنم شخصي، جامعيون ومحامون وعمال ومدرسون وتجار وفلاحون وطلبة... الخ من جميع الاتجاهات السياسية والأديان، جعلوا همهم وصل ما انقطع من لحمة بين المواطنين، علي أرضية المواطنة، التي تكفل لهم المساواة والحرية. وذلك بصيص الضوء الوحيد في عتمة الواقع المقيت، الذي جعل مدينة عرفت 56 صحيفة ومجلة ومنتدي بين عامي 1925 و1958 لا تعرف اليوم غير جريدة فقيرة توزع 500 نسخة بشق الأنفس، وتخلو من أي منتدي للحوار أو أية ساحة للتنفس الفكري والروحي والوطني ...
هذا صوت ميشيل كيلو غير المهادن، وهو يستحق أن يحاكم عليه بتهمة الخيانة العظمي !.. فليس أعظم من أن تكون، حتي النفس الأخير، من عشاق الوطن مكافحا في سبيل استرداد الحرية والعدالة والكرامة إلي كل مواطن.. وإلي أن يزول آخر مظهر من مظاهر الظلم والفساد والطغيان.


شاعر من سورية يقيم في ابو ظبي