الإثنين: 2006.07.03
عبدالله بن بجاد العتيبي
لا يتيه الفكر بشيء مثلما يتيه حين يسلم عنانه للسائد والمألوف والموروث، وحين يغتال قدرته الطبيعية على المساءلة والاستشكال والنقد والبناء، هكذا علّمتنا التجارب البشرية المتراكمة في المجالات كافة، وقد تعلمنا من التاريخ، ذلك المعلم الذي لا يكاد معينه ينضب، أن الخطابات الدينية تمثل مؤثراً فاعلاً في حراك المجتمعات وصياغة حاضرها ومستقبلها خصوصاً إذا تحولت هذه الخطابات إلى أيديولوجيا.
الأيديولوجيا كما هي في استعمال الفيلسوف الألماني نيتشه لا تعدو أن تكون مجموع الأوهام والتعليلات والحيل التي يعاكس بها (الإنسان/الضحية) قانون الحياة، أو باعتبارها الوعي الزائف لدى بعض الفلاسفة، وهي بكل حال تحدُّ من حراك العقل البشري وتضع له سقفاً حديدياً.. وبما أن معاكسة قانون الحياة كما في رؤية نيتشه صعبة شاقة غير مقبولة عادة في الحس البشري، فإن تسويقها ndash;غالباً- يتم عبر إلباسها لبوس الدين، وحين يتم تحويل الدين إلى أيديولوجيا يخط له quot;قادة التحويلquot; مسارات منهجية توصلهم لغايتهم وهدفهم، لا يكون لها عادة علاقة بالدين لكنها مسارات تتم quot;شرعنتهاquot; وتبريرها دينياً لتأدية الغرض الأيديولوجي.
في سياق الحركات الإسلامية المعاصرة التي تتخذ الدين شعاراً والأيديولوجيا دثاراً نجد أن الأيديولوجيا الملبسة لبوس الدين تتخذ لها مسارات أصيلة في سبيل الوصول لأهدافها وفرض رؤيتها على المجتمعات التي تنشط فيها. ومن أهم هذه المسارات quot;مسار الحشدquot;، وللنجاح في حشد الأتباع يتم في هذا المسار -عادة- التنازل عن كثير من الشروط الدينية والمبادئ العقدية ما دامت تؤدي لمزيد أتباع ومزيد سلطة اجتماعية، وفي هذا السياق تأتي قاعدة quot;الإخوان المسلمينquot; الشهيرة quot;نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيهquot; التي يتم توظيفها فقط في التعامل مع أعضاء التنظيم والمتعاطفين معه.
والمسار الآخر هو quot;ضخ المفاهيمquot; ويتم من خلاله ضخ مجموعة من الأفكار الخاصّة بالأيديولوجيا الجديدة التي تقدم للأتباع الجدد كمفاهيم مستقلة مستقاة من الدين نفسه، وهي عادة ما تكون مفاهيم مغلوطة لا علاقة لها بالدين ويتم ضخ هذه الأفكار عبر قنطرة quot;اليقين الزائفquot; وهذا المسار بقنطرته تقدّم من خلالهما المفاهيم الأيديولوجية على أنها حقائق دينية مطلقة متواترة، الإيمان بها واجب والتشكيك فيها بدعة وكفر، ومن أمثلة هذه المفاهيم، quot;مفهوم الحاكميةquot; وquot;مفهوم الجاهليةquot; وquot;مفهوم الولاء والبراءquot; وغيرها كثير.
ومن المسارات الأيديولوجية التي يستخدمها محوّلو الدين إلى أيديولوجيا مسار quot;الفَسْطَطَةquot; والذي يتم من خلاله فرز منهجي منظّم لشرائح المجتمع بين quot;المَعَquot; وquot;الضِّدquot; وتقدم في هذا المسار شحنات أيديولوجية مركّزة توجب وتفرض ndash;دينياً- على التابع أن يحب ويوالي ويؤيد ويناصر رفقاء الأدلجة بغض النظر عن شرعية موقفهم دينياً، على أن يبغض ويعادي ويحارب ويعتدي بالمقابل على خصوم الأيديولوجيا الذين هم ليسوا بالضرورة خصوماً للدين بل قد يكون من بينهم متدينون خلّص وأتقياء بررة، ومن أجلى الأمثلة على هذا المسار كلمة بن لادن الشهيرة التي يتحدث فيها عن quot;فسطاطينquot; بعد الحادي عشر من سبتمبر والتي طبقها في واحد من خطاباته الأخيرة على عدد من المثقفين المسلمين.
لا يستطيع مسار quot;الفسططةquot; أن يمتلك قدرة على الإقناع إذا لم تتم إقامته على جسر quot;الانتقاء الأيديولوجيquot;، بحيث تعمل هنا آليات غير موضوعية وغير علمية في سبيل فرز الأولويات أولاً وفي سبيل اتخاذ المواقف من المخالف والموالي ثانياً، وفي سبيل فرض رؤى سياسية عوراء، فيتم في هذا السياق تحديد أولويات أيديولوجية قد تناقض أصولاً دينية quot;كأولوية القتل على الدعوة، وأولوية التشدد على التيسيرquot; وغيرهما، ومن ثمّ يتم نشر quot;التسويغ الشرعيquot; للتعامل الأيديولوجي مع المخالف والموالي، فيتم تمجيد الظلم ضد المخالف في منبته الطبيعي المتمثل في الجهل والهوى، والمتدثر بالتعصب المقيت الذي لا يستمر طويلاً حتى ينضم إليه صنوه الذميم ألا وهو الجناية على الآخرين، تلك الجناية التي تظهر في سيطرة التعامل quot;الذرائعيquot; الوصولي معهم ومع أطروحاتهم وأفكارهم. وquot;الذرائعيةquot; تعني فيما تعني تجويز كل طريقة في حرب الآخرين والتشكيك فيهم بغض النظر عن كون تلك الطريقة مشروعة دينياً أم ممنوعة فليس هذا هو المهم بل المهم هو هل تؤدي هذه الطريقة إلى الهدف الأيديولوجي المراد منها أم لا؟ فالكذب حرام ومذمة ومنقصة فقط حين يتم استخدامه مع المنخرطين في دوّامة الأيديولوجيا تحت لواء الموالين، أما أولئك المخالفون فالكذب عليهم حلال وقربة ومحمدة والغمز واللمز والشتائم كذلك والفتاوى بهذا الخصوص متكاثرة متناثرة، وكل ذلك يعتبر أسلحة مشروعة في حرب أيديولوجية يتم تقديسها زوراً وبهتاناً، كما أن أنصار الإيديولوجيا يتم توصيفهم في هذا المسار على أنهم العلماء الأخيار فقط ما داموا معها أمّا عند الاختلاف فهم الجهلة الأشرار، تماماً كما قال يهود المدينة عن عبدالله بن سلام (خيرنا وعالمنا)، فلما خالفهم قالوا في نفس المجلس (شرنا وجاهلنا)، ولازلنا نرى هنا وهناك تكراراً لهذا المشهد التراجيدي في التزكية والإسقاط بدون حياء ولا تعقّل. ومن quot;الذرائعيةquot; أيضاً استغلال سلاح الفقهاء الجهلة بالواقع أو الباحثين عن تصفيق أتباع الأيديولوجيا المنظّم لاستنطاقهم بفتاوى تصب في خدمة الأيديولوجيا وتؤيدها وتبررها، خصوصاً حين تكون لهؤلاء الفقهاء حظوة سياسية أو اجتماعية، وتصبح الفتوى التي يعتبرها بعض العلماء quot;توقيعاً عن رب العالمينquot; ndash;مع تحفظي على هذا التعبير- تصبح سلاحاً فتّاكاً في يد الأيديولوجي لإعدام أعدائه وتصفيتهم معنوياً أو مادياً.
وعلى جسر quot;الانتقاءquot; يتم ndash;كذلك- بناء رؤية سياسية عوراء تقوم على اختزالات متجنية لمواقف الدول ومجتمعاتها وللأحداث المعاصرة وتداخلاتها بشكل يضمن حشد الأتباع خلف موقف سياسي تتبناه الأيديولوجيا، وتبنى هذه الرؤية السياسية العوراء بالإضافة للاختزالات في قراءة المشهد السياسي على منظومة الخرافة الأيديولوجية المسوّغة بالتلاعب على الدين والمكوّنة من مجموعة من الأفكار الخرافية التي تقوم على quot;عقيدة الانتظارquot; انتظار المهدي المنتظر أو السفياني الذي يقود الناس بعصاه أو القحطاني أو غيرهم من المنتظرين، كما تقوم على quot;وهم التأويلquot; لأحاديث آخر الزمان وquot;تأويل الوهمquot; في أضغاث الأحلام والكوابيس.
يأتي بعد هذه المسارات quot;مسار الثباتquot; وهو مسار يتم ضخه بكثافة في أذهان الأتباع منذ البدايات، يمجّد الثبات للثبات ويحرم التساؤل المشروع عن ماهية quot;المثبوت عليهquot; هل هو حق أم باطل؟ صواب أم خطأ؟، لأن التابع يشحن منذ نعومة أظفاره الأيديولوجية بأن ما يمنح له من مقروء أو مسموع يمثل الحقيقة المطلقة التي لا تقبل نقاشاً ولا مراجعة.
في مصنع الأيديولوجيا ذي المسارات المتعددة والمتوالية والمتشابكة تساق خرائب الوعي المزيّف على أنها جنان الفردوس، ويروّج الانحراف والظلم على أنهما الاعتدال والعدالة، وتسمى الأشياء بغير مسمياتها وتصبغ مفاهيم الدين البيضاء بألوان الأيديولوجيا العمياء وعلى مثل هذه المسارات توضع قضبان التابع حتى لا يستطيع منها فراراً، وتكبل بها قدرته على التفكير والتعقُّل والنقد، ويتم التأكد من شحنه في كل مناسبة بالمزيد من جرعات الأيديولوجيا لضمانة ألا يتسرب له فيروس تفكير مستقل أو تساؤل شافٍ ليبقى على الدوام حِملاً وديعاً وآلة بلهاء تسمع لتطيع وتقرأ لتنفذ.














التعليقات