عوني فرسخ
شهدت كركوك المحتلة في الاسبوع الماضي تفجيرات اودت بعدد من الضحايا على نحو غير مسبوق منذ الغزو الامريكي للعراق. كما شهدت بموازاة التفجيرات الدامية حراكا وجدلا سياسيين صاخبين على خلفية المطالبة الكردية بتفعيل المادة (140) من الدستور بضم كركوك لاقليم كردستان العراق وتكريدها. وفي تبرير هذا المطلب اوضح الناطق باسم السلطة الكردية انه على الرغم من كون العرب والتركمان وغيرهم من الجماعات الاثنية العراقية يشاركون الاكراد في سكنى المدينة، إلا أن حق الاكراد فيها مؤسس على كونها تقع جغرافياً ضمن اقليم كردستان، فضلا عن تقرير حقهم فيها وفقا لاحكام الدستور بقرار من برلمان عراقي منتخب ديمقراطيا، وحكومة معتمدة من المجتمع الدولي.
وبالمقابل تحدث أحد ممثلي التنظيمات التركمانية، في برنامج ldquo;ما وراء الخبرrdquo; الذي تبثه فضائية ldquo;الجزيرةrdquo;، مؤكدا ان للتركمان وجودهم الطبيعي والتاريخي في كركوك، ولهم فيها حقوق غير قابلة للتصرف، فيما عملية تهجير غالبيتهم قسرا من وطن آبائهم واجدادهم، التي نفذتها البشمركة وسكتت على ذلك قوات التحالف بقيادتها الامريكية، لا تخرج عن كونها جريمة تطهير عرقي غير مشروعة في القانون الدولي. واوضح ان المادة (140) والدستور الذي تضمنها، كما البرلمان الذي اجازه والحكومة الملتزمة بالمحاصصة العرقية والطائفية، مطعون بها جميعا. وردا على اتهام تركيا بالتدخل بالشؤون العراقية ذكر المتحدث التركماني أن السعي لتكريد كركوك هو الذي يستجر التدخل التركي، كما سبق للقيادات الكردية ان استجرت التدخل الايراني، ثم اقامت سلطتها بالدعم الامريكي.
وفي التصدي لعملية التهجير القسري للعائلات العربية، التي اقامت في كركوك منذ ثمانينات القرن الماضي، عقد في كركوك مؤتمر ضم اكثر من الف شخصية سياسية ودينية واجتماعية عربية، بينها قيادات سنية وشيعية، من جملتها ممثلو التيار الصدري. وقد اكد المؤتمر ان كركوك مدينة عراقية، لكل مواطن عراقي حق الاقامة والعمل فيها، وأن للعائلات التي اقامت فيها منذ ما يجاوز ربع قرن صلات قربى ومصاهرة مع مواطنيها على اختلاف اصولهم، فضلا عن حقهم المشروع كمواطنين عراقيين في الاقامة والعمل في أي مدينة عراقية، بحق المواطنة وما تقضي به شرعة حقوق الانسان.
واذا كان الرئيس بوش قد أعلن، غداة اعطائه الاشارة بغزو العراق، ان ادارته تستهدف ان تجعل من العراق انموذجا للديمقراطية يطبق في كل نواحي ldquo;الشرق الاوسط الكبيرrdquo;، فإنه في كركوك تقرع اجراس الخطر بصخب هذه الايام محذرة مما تنطوي عليه عملية التطهير العرقي فيها من دلالات تجسد مباشرة الادارة الامريكية المضي قدما من التجزئة القطرية العربية الى التفتيت العرقي والطائفي والعشائري. والسؤال لمن تقرع الاجراس في كركوك اليوم : هل للراقصين على الطبول الامريكية في مشرق الوطن العربي ومغربه؟ أم للمستغرقين في عسل الاستسلام القدري للمشيئة الامريكية ولسان حالهم يقول لا حول لنا ولا قوة؟ أم لنخب الامة المسؤولة تاريخيا عن تقديم الاستجابة الفاعلة لتحديات انفلات ldquo;الصقورrdquo; من عقالها في زمن ldquo;الفوضى الخلاقةrdquo; الامريكية؟ ويكمن الخطر في تراجع الاهمية النسبية للتناقضات العدائية مع القوى الدولية والاقليمية المهددة لوحدة العراق وسيادته وثرواته الطبيعية، فيما تقدمت التناقضات الثانوية بين تكويناته الاجتماعية، كما في استقواء ldquo;الصقورrdquo; الكردية بالاحتلال الامريكي، وتطلع ldquo;الصقورrdquo; التركمانية للتدخل التركي. وفي أكثر من قطر عربي ldquo;صقورrdquo; مشدودة ابصارها لخارج الحدود القطرية والقومية. كما أن كلا من ldquo;الصقورrdquo; المحلية وrdquo;النسورrdquo; الدولية والاقليمية تعبث بأبرز خصائص الجغرافيا العربية، المتمثلة بالتداخل السكاني فيما بين المواطنين على اختلاف اصولهم السلالية، وانتماءاتهم الدينية والمذهبية. وبالتالي فان محاولة أي جماعة الانفراد بالسلطة دون بقية مواطنيها تجعل الآخرين يواجهون واقعا جديدا قد يدفعهم للاستقواء بقوة اقليمية او دولية لدعمهم تجاه من كانوا شركاء مسيرتهم ومصيرهم. وعليه فانه ليس باستطاعة القيادات الكردية التفرد بصناعة قرار الاقليم الذي سيطروا عليه دون مشاركة بقية مواطنيه، إذا شاؤوا الابقاء على السلم الاجتماعي وبناء نظام ديمقراطي محصن ضد المداخلات والضغوط الاقليمية والدولية.
ثم إن محاولة الاستفراد بأي جزء من ارض أي قطر عربي، لا تتحقق عمليا إلا بدعم خارجي متواصل، يضع هذا الجزء والقائمين عليه، شاؤوا أم أبوا، في مركب واحد مع ldquo;اسرائيلrdquo;.
ولقد كان مواطنو الارض العربية اصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي فيها، شركاء مسيرة ومصير، وهم عبر تاريخ هذه الارض الممتد شركاء في الغنم والغرم. وإن تجاهل هذه الحقيقة التاريخية سيؤدي الى التأثير سلبيا في الروابط السلالية والثقافية القائمة فيما بين اكثرية المواطنين العرب، ومواطنيهم المتمايزين سلاليا ولغويا. والخاسر الأكبر في هذه الحال انما هم هذه الفئة من مواطني الاقطار العربية، لأنهم حيث وجدوا لا تجاوز نسبتهم 20% من المواطنين، ويعلمنا التاريخ ان ldquo;الاقلياتrdquo; كانت على الدوام الأكثر خسرانا عند تفجر الصراعات القومية والدينية، في حين أن الدولة القومية كانت الأكثر امانا للجماعات الاثنية محدودة النسبة في مجتمعها، لانها الدولة الأكثر منعة ضد الاستغلال الخارجي لبعض الاثنيات، خاصة بالنسبة لامة كالأمة العربية ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن اطار الوحدة.
وفي ضوء تجارب مختلف الأمم يمكن التأكيد بانه بمقدار العمل على حماية الوحدة الوطنية في كل قطر عربي، وتعزيز الهوية الوطنية والانتماء القومي، بقدر تجنب الفتنة التي تعانيها كركوك وما تقرع محذرة من تداعياتها الأجراس.














التعليقات