خالد الحروب
في البلدان الغربية التي تعيش فيها جاليات عربية ومسلمة ثمة هوامش واسعة للحركة والتأثير في صناعة القرار الغربي الخاص بالقضايا العربية والإسلامية ما زالت أرضاً بوراً. لكن هناك بموازاة تلك الهوامش الامتداد quot;الطبيعيquot; للشكوى الدائمة من أن المواقف السياسية الغربية مُنحازة لإسرائيل، وهو أمر لا خلاف عليه. في أحايين كثيرة تتعاظم الشكوى وتلعب دوراً سيكولوجياً مرَضياً إذ تستبدل العمل الفعال. بمعنى أن تكرار التشاكي يخلق حالة واهمة من الفعل تعوض عن الفعل الحقيقي. ومن ناحية ثانية يقوم ذلك التكرار على تدعيم المسوِّغ الأكبر، أو أم المسوغات، وهو أن ليس بالإمكان عمل شيء في ظل قوة وسيطرة اللوبيات اليهودية المقربة من دوائر صنع القرار. وهناك بطبيعة الحال أسباب كثيرة أخرى وعوامل تصب في غياب تأثير الجاليات العربية والمسلمة عن آليات صنع القرار في البلدان الغربية، وعن آليات تشكل تصورات الرأي العام في تلك البلدان تجاه القضايا الرئيسية الخاصة بتلك الجاليات سواء ما يتعلق بها مباشرة، أو ما يرتبط ببلدانها الأصلية. ومن أهم تلك الأسباب عدم الاندماج في تلك المجتمعات والعيش على هوامشها في حالة متواصلة من quot;الغيتوquot; الثقافي والاجتماعي والإعلامي، على عكس الشرائح اليهودية الفاعلة التي أصبحت جزءاً عضوياً من تلك المجتمعات.
وتطرح إشكالية الاندماج أو عدمه، وإلى أي حد، وبأية كيفية، المعضلة الأكبر التي تتأسس فيها جذور كثير من المعضلات التي تواجهها الجاليات العربية والمسلمة. وهي ترتبط بهاجس أكبر وهو هاجس الهوية والانتماء والدين وسوى ذلك. وعلى رغم أن الشكل الناظم للمجتمعات الغربية سياسياً واجتماعياً وثقافياً قام في جزئه الأكبر على مفاهيم التعددية الثقافية والدينية وضمان حقوق الأقليات قانونياً وقضائياً بما أتاح للمسلمين وغيرهم إمكانيات العيش وفق الطرق التي يرتأون، إلا أن تلك المفاهيم تعرضت في السنوات الأخيرة لمناقشات عميقة وتساؤلات أفضت إلى إضعاف منطق quot;التعددية الثقافيةquot;. فقد اتضح أن ترك ذلك المنطق يشتغل بحدود قصوى قاد إلى خلق جيوب جاليات انعزالية تماماً في تلك المجتمعات الغربية، وفي تلك الجيوب تتم المحافظة على أنماط ثقافية واجتماعية ودينية تخالف القانون تماماً، مثل استمرار ممارسة قتل الشرف والزيجات المفروضة على الفتيات الصغيرات. والأهم من ذلك أن تلك الجيوب شكلت مرتعاً خصباً لنمو كل أفكار التطرف والراديكالية ورفض الآخر، ففيها نمت تنظيمات تكفير المجتمعات الغربية وغير الغربية أيضاً ومنها طلع أفراد مشوهو التفكير والرؤية كانوا فريسة سهلة لمنظمي الإرهاب داخل تلك البلدان كتفجيرات القطارات ومحاولات إسقاط الطائرات المدنية وسوى ذلك. وخلاصة هذا كله أن تخلقت حالة من الشلل الذاتي محبطة وغير فاعلة والكل فيها ينظر إلى الكل ينتظر منه quot;الفعلquot; فيما يقعد الكل على أرضية الشكوى والتذمر.
ولا يعني ما سبق إحالة المسؤولية كاملة على كاهل تلك الجاليات، وليس القصد منه الإدانة، بل الغرض فهم الصورة ومحاولة تفكيكها واستكناه فرص وإمكانيات تغييرها. فجزء كبير من مسؤولية الانحيازات الغربية الرسمية والنخبوية والإهمال واللامبالاة على مستوى الرأي العام تتحمله وسائل إعلام كسولة تركض وراء كل ما هو مثير، وتعزز بالتالي صوراً سالبة ومقيتة عن العرب والمسلمين تتيح لصانع السياسة أن يفلت بأي قرار توحشي لا يمكنه الإفلات به فيما لو كان ضد جهات أو شعوب أخرى.
ولكن بالعودة إلى مسألة الهامش المتاح والتأثير الغائب من المهم القول إنه على رغم كل العقبات التي خلقتها الصورة المشوهة، والجو المتوتر الذي تولد خلال السنوات الماضية وخاصة بعد إرهاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، فما زالت هناك هوامش واسعة جداً تستدعي الاستثمار وبالإمكان توظيفها والعمل فيها للضغط وتحقيق إنجازات وتحسينات على مستوى هذه القضية أو تلك. وهناك سقف لتلك الهوامش ولكن ما زالت ثمة مساحة كبيرة تفصل حالة العجز وعدم الفعل الحالية عن الاصطدام به والبدء بالشكوى والتذمر. وعندما يتم ملء تلك المساحة بالحركة والفعل والضغط والانشغال والحشد ويؤدي ذلك كله إلى الاصطدام بالسقف يمكن فهم مبررات الشكوى ومشروعيتها. أما قبل ذلك فإن شكوى المقاعد الوثيرة من دون أن يترافق معها أي فعل هي شكوى لا معنى لها، وتبرير للعجز ليس إلا.
والمسألة الأخرى التي ترتبط جوهرياً وعضوياً باستثمار الهوامش المُتاحة مرتبطة بنوعية القضايا المطروحة التي تستهلك تفكير واهتمام الجاليات العربية والمسلمة وجدول أولوياتها. والنقطة الأولى هنا هي عدم التوافق على أولويات القضايا وأهميتها، وما الذي يأتي في المقدمة منها. والنقطة الثانية هي في الاختلاف الطبيعي إزاء مجموعة من القضايا المتعلقة بالأوطان الأصلية، وهو اختلاف ينفي أي افتراض مُتسرع بأن تلك الجاليات على تنوعها الكبير تلتقي ببساطة على جدول قضايا واحد. ومن القضايا الكبرى مثل فلسطين والعراق إلى قضايا الحجاب والنقاب هناك اختلافات وانقسامات تعكس الاختلافات والانقسامات الموجودة في البلدان العربية والمسلمة نفسها، وهو ما يعيق بالتأكيد حشد الجهد باتجاه محدد ومعروف الأهداف التي يُراد تحقيقها به منذ لحظة الانطلاق. بيد أن جزءاً كبيراً مما هو سائد حالياً في الوسط العربي والإسلامي في الغرب هو الانجرار وراء القضايا الثانوية والإعلاء من شأنها وتقديمها على أساس أنها quot;هويةquot; الجاليات مثل النقاب والحجاب. وتُثار موجات من الاعتراض عالي النبرة من قبل الشرائح والفئات المُنتسبة إلى الحركات الإسلامية إزاء هذه القضايا، وبسبب امتلاك هذه الحركات لوسائل إعلام وقنوات فضائية ومواقع إلكترونية، أو بسبب تأثيرها على تلك الوسائل، فإن ما تراه تلك الحركات من أولويات وأجندة قضايا للعرب والمسلمين في الغرب يُفرض إعلامياً وفوقياً على ملايينهم بكونه quot;قضاياهمquot; الملحة والمهمة.
ليس صحيحاً أن قضية النقاب أو الحجاب مثلا هي قضية ملايين العرب والمسلمين في الغرب، وغالبية الفتيات هناك لا يرتدينه أصلا. فمثل هذه القضايا هي أولوية وأجندة الحركات الإسلامية وليس عرب ومسلمي أوروبا. وللحديث بقية.














التعليقات