ويليام فاف

في كتابه الأخير المعنون: quot;واشنطن تحكم: طريق أميركا إلى الحروب الدائمةquot; الذي يتسم بقدر كبير من الجرأة والدقة يوضح المؤلف quot;أندرو باسيفيتشquot; من جامعة بوسطن، مدى الضعف الذي لحق بصلاحيات مؤسسة الرئاسة في الولايات المتحدة وعجزها عن التحكم في زمام الأمور سواء في أوقات الحرب، أو السلام، إلى درجة أنه يمكن التعامل مع هذا الواقع المستجد في الحياة الأميركية على أنه انقلاب صامت ضد الرئاسة، وهو انقلاب يُضمر نية مبيتة وغرضاً مقصوداً يقف وراءه فاعل مسؤول عن تهيئة الانقلاب للوصول إلى أهداف معينة. وبحسب الكتاب يمكن للانقلاب أن يكون مؤسساتيّاً، أو فكريّاً، كما يمكن أن يُعلن من داخل الحكومة أو من خارجها لا فرق، والهدف هو إرغام الرئيس على التصرف في اتجاه معين بعد سد جميع الأبواب في وجهه وتقديم خيارات محدودة أمامه بحيث يجد نفسه مجبراً على اتخاذ قرار بعينه هيّأه له آخرون. ولعل من الأمثلة الدالة في هذا السياق ما جرى قبيل الحرب العالمية الأولى في ألمانيا عندما اجتمع جنرالات هيئة الأركان في البلاد ليضعوا خطة عسكرية دقيقة للتعبئة العسكرية السريعة والفعالة واستدعاء جيش الاحتياط إذا استدعى الأمر ذلك في حالة اندلاع الحرب، بل لقد قام الجنرالات بتنسيق خطتهم مع باقي القطاعات في الدولة لتتناغم مع قطاع النقل والسكك الحديدية وباقي القطاعات والجوانب اللوجستية وتجنيدها جميعاً خدمة للخطة العسكرية الموضوعة، تلك الخطة التي أقيمت على افتراض أن العدو هو فرنسا غرباً وروسيا شرقاً، بحيث كان من المتوقع أن توجه ألمانيا ضربة سريعة تشل القوات الفرنسية فيما يمكنها الاشتباك مع القوات الروسية بطيئة التعبئة وأخذ ما يلزم من وقت لدحرها. ولكن ما حدث في ملابسات الحرب والظروف التي أدت إليها جعل صربيا وروسيا، وليس فرنسا، هما من أشعل فتيلها، ومع ذلك أصر قادة الجيش الألماني على مهاجمة فرنسا عن طريق بلجيكا المحايدة فدخلت بريطانيا أيضاً في الحرب من أوسع أبوابها.

والقصد من هذا المثال أن الخيارات أمام السياسي الألماني كانت موضوعة وquot;مطبوخةquot; سلفاً ولم يكن بمستطاعه تغيير مجراها حتى بعدما تبدلت المعطيات، وهذا نفسه ما ينطبق على أميركا حيث إن الطريقة التي تجرى بها السياسة هي من يضع الأجندة ويرسم الطريق ويجبر الرؤساء على السير فيها. ففي عام 1948 عندما كانت القوات الجوية الأميركية تحت قيادة الجنرال quot;كورتيس ليمايquot; حددت لنفسها مهمة الدفاع عن أميركا أمام هجوم سوفييتي فقامت بتطوير ترسانتها وأسطولها الذي لم يكن يتعدى في تلك السنة 29 قاذفة قنابل ورثتها من الحرب العالمية الثانية لتتطور الترسانة في السبعينيات إلى 10 آلاف رأس نووي قادرة على ضرب المعسكر السوفييتي، فماذا كان يفترض في أي رئيس أميركي في تلك الفترة القيام به وهو مدجج بكل تلك الأسلحة الفتاكة؟

وبالعودة إلى ما يتعلق بأوباما فهو، للتذكير، عندما انتخب رئيساً للولايات المتحدة تعهد بخوض quot;الحرب الصحيحةquot; في أفغانستان، إلا أنه كان يتوقع من وزير الدفاع، روبرت جيتس، أن يضع أمامه حزمة من الخيارات تتوزع بين محاورة quot;طالبانquot; وحتى الحرب النووية، مرفوقة بتحليل وافٍ لكل خيار على حدة وإمكانات نجاحه. ولكن بدلًا من ذلك قُدمت له خطة واحدة كان معمولًا بها أصلًا في العراق وهي الزيادة في عدد القوات، متبوعة بمحاربة التمرد كما حددها الجنرال quot;ديفيد بترايوسquot; وحظيت بحملة إعلانية واسعة روجت لها على أنها الاستراتيجية الوحيدة الناجحة في حروب أميركا، بحيث يبدو في المحصلة النهائية هي أن أوباما تعرض لعملية خداع دفعته دفعاً إلى تبني خطة البنتاجون الموضوعة سلفاً. غير أن هذا الخداع، أو الانقلاب كما يصفه quot;باسيفيتشquot; لم يأتِ من العسكريين، أو جماعة المحافظين الجدد، بل من طبيعة الحكم في واشنطن والطريقة التي تجري بها السياسة في الولايات المتحدة، فضلاً عن أهواء الإعلام وتوجهاته ومزاجه العام.

ويضاف إلى ذلك الرأي العام غير المتفهم والخاضع لمشاعر وطنية مفرطة تحركها طبيعة السياسة الداخلية من جهة والإعلام من جهة أخرى. وفي هذا السياق يبدو أن الطبقة السياسية الأميركية أقنعت نفسها بأن أميركا تخوض quot;حرباً طويلةquot;، أو لنقل حرباً أبدية ضد التعصب والتطرف وضد الخطر الذي تمثله الأصولية على المحاكم الأميركية كما حذر من ذلك بغباء كبير ومكر، في الوقت نفسه، أكبر quot;كارل روفquot; الذي قال إن quot;طالبانquot; ستجتاح الشوارع الأميركية. وفيما كان الجنرال quot;بترايوسquot; يبني شهرته ويلمع سمعته بإحيائه لتكتيكات حرب العصابات القديمة وتطبيقها في الساحة العراقية بعدما أقنع رؤساءه والرأي العام بأنها الاستراتيجية الناجحة لم يجد أوباما بدّاً من مواكبة الاتجاه العام والموافقة على سحب 50 ألفاً من القوات الأميركية المرابطة في العراق، لينقل quot;بترايوسquot; خطته تلك إلى أفغانستان للتعامل مع حرب لا يبدو أن النصر فيها وشيك! وقد تمت صياغة الحرب في أفغانستان على أنها الحرب الطويلة اللازمة ضد قوى التطرف بهدف نشر الديمقراطية حتى وإن كانت المهمة صعبة، وبهذا المعنى تتحول الحرب هناك إلى مهمة تحضيرية مُتسترة على المهام الاستعمارية، في رأي منتقديها من اليساريين، وتقوم على نقل الأساليب نفسها التي انتهجتها أميركا في فيتنام والمتمثلة في كسب عقول وقلوب المدنيين. هذا على رغم أن الصحفي quot;بوب وودوردquot; في كتابه الأخير quot;حروب أوباماquot; ينقل عن الجنرال quot;بترايوسquot; نفسه قوله: quot;لا أعتقد أن هذه الحرب من النوع الذي يمكن فيه تحقيق انتصار حاسم، بل لعلها الحرب التي سنخوضها على امتداد حياتنا، وربما ستستمر حتى حياة أبنائنا أيضاًquot;! ولكن هل سيسمع أوباما مثل هذا الكلام نفسه من الجنرالات خلال المؤتمر المهم الذي سيعقده الرئيس في شهر ديسمبر المقبل لحسم الاستراتيجية حول أفغانستان، أم ستواصل مكيدة السياسة في واشنطن عملها لخداع أوباما وإجباره على اتخاذ قرارات بعينها؟

--------

ينشر بترتيب خاص مع خدمة quot;تريبيون ميديا سيرفيسزquot;