قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

طيب تيزيني

كتب المستشرق quot;كابْلانquot; مرةً يقول: quot;الشرقيون ومن ضمنهم العرب، ليس لديهم قابلية للتطور، وهم دائمو الخداع لأنفسهمquot;. ذلك ما كتبه هذا المستشرق، مؤسِّساً بذلك لخطاب استشراقي يُخرج العرب (والشرقيين وكثيرين آخرين) من منظومات التاريخ والعقلانية والديمقراطية.

لكن quot;كابلانquot; ارتكب خطأين اثنين كبيرين، يتمثل الأول في انتزاع هؤلاء من تاريخهم والتاريخ العالمي، ليضعهم مع الهوام في مستوى واحد. أما الخطأ التالي فيفصح عن نفسه حقاً في تجاهل مراحل كثيرة في تاريخ بلدان كثير من المستشرقين، الغرب. فإذا كان الخطأ الأول يتجلى في الامتناع عن البحث الموضوعي في الشروط التاريخية، التي أحاطت بالشعوب العربية وأنتجت حالة الحُطام التي تعيش فيها، فإن الخطأ الثاني يقوم على تجاهل أن الحالة المذكورة أسهم في إنتاجها الغرب الرأسمالي الاستعماري نفسه. ثم وبحسب الخطأ الأول، يتجاهل المستشرق quot;كابلانquot; أن شعوباً عربية أنتجت في تاريخها _من القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر- من مظاهر التقدم الحضاري ما أسهم في بناء الغرب الجديد نفسه في مراحله الصاعدة، من الثورة إلى النهوض والتنوير والحداثة، وهذا ما كتب فيه مؤرخون وباحثون غربيون ألمان وفرنسيون وإنجليز وروس وغيرهم. وهو كذلك -بدوره- يضع يدنا على أن العرب -كشعوب أخرى كثيرة- أنتجوا حضارة ذات طابع عالمي إنساني موزائيكي.





أما ما يمكن استنباطه من الخطأ الثاني، الذي أطلقه quot;كابلانquot;، فيتمثل في واقعة قلما بحث فيها المؤرخون والباحثون من الشرق كما من الغرب. تلك الواقعة تقوم على أن إرهاصات تجارب نهضوية انطلقت من بلدان عربية مثل مصر وتونس وسوريا، وحاول صنَّاعها أن يصنعوا منها مداخل تاريخية لعصر عربي حديث متقدم. والسؤال: متى حدث ذلك؟ الجواب يكمن في ما قبل تمدُّد الغرب الاستعماري الحديث باتجاه الشرق عموماً، ومن ضمنه البلدان العربية. لقد جاء هذا التمدد، الذي لم ينته حتى الآن، متوافقاً مع الإرهاصات المأتى عليها، حيث كان العرب يكافحون في قلب الامبراطورية العثمانية وخصوصاً مع أواخر وجودها التاريخي، من أجل هدفين كبيرين، هما أولاً الانسلاخ من هذه الامبراطورية العجوز التي طفقت شيئاً فشيئاً باتجاه تحويلها إلى هدف للغرب الاستعماري الصاعد، وتحقيق استقلال أوَّلي عنها. أما هدفهم الثاني فتمثل في طموحهم الكبير للدخول في عالم الحداثة والتقدم. وثمة كتابات لا تحصى حول ذلك، قد يكون الكتاب الثمين للباحث البريطاني يبتر غران، أي كتاب quot;تاريخ الرأسمالية في مصرquot; - وهو باحث حيّ.

ولن نعود إلى تجارب نهضوية من هذه التي أشرنا إليها في البلدان العربية، التي أتينا على ذكرها، وإنما نود الإشارة إلى حدث عربي راهن بدأ يعلن عن ذلك منذ أقل من شهر، وهو ما يحدث في تونس ويدخلنا في قلب التحولات الكبرى المعاصرة في العالم العربي وفي عوالم أخرى. لقد انطلقت منها انتفاضة لعلها تؤسس لحالة جديدة في حقلها. لقد ظهرت مطالب المنتفضين في إسقاط نظام الاستبداد الرباعي (الاستئثار بالسلطة وبالثروة وبالإعلام والمرجعية)، وإقامة نظام اجتماعي جديد يتأسس على الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، وكذلك على منظومة فكرية وأيديولوجية تتمثل في الحداثة والعقلانية والتقدم التاريخي إضافة إلى النزعة التنويرية المنفتحة، مع احترام كل المبادئ الإنسانية والدينية. وما يلفت في تلك المنظومة الاستراتيجية تأكيدها على دولة عصرية تقوم على المؤسسات الدولتية وفي مقدمتها الاحتكام للدستور والقانون الديمقراطيين.

ما يحدث في تونس يقدم -في بداياته- تدليلاً على بطلان ما طرحه quot;كابلانquot; في اعتباره العرب غير قابلين للتطور وأنهم يعيشون على أوهام يصنعونها بحيث لا يخرجون عن quot;الهوامquot;. وما يمكن التعبير به عن حالة العرب الراهنة العمومية وهو quot;الحطامquot;، إنما حالة تاريخية لا يمكن فهمه إلا من داخلها، إضافة إلى أن الخروج من هذا الحطام يستوجب، النظر فيه في مظانِّه ومصادره التاريخية، كما في الأسس التي يقوم عليها هذا العمل، أي في مشروع عربي في النهضة والتنوير. ولذلك هو حُطام مفتوح.