صبحي حديدي

بين علائم سكرات الموت، وهي الحال التي يعيشها النظام السوري في الطور الراهن من تدابيره الأمنية ـ العسكرية الهادفة إلى قمع الانتفاضة، أنّ تخبّط الخيارات صار السمة الأبرز في تعامل النظام مع الشطر الكردي من شرائح الحراك الشعبي؛ وأنّ المآلات المنطقية لذلك التخبط أسفرت عن انقلاب شبه تامّ، وربما رأساً على عقب، في مجمل السياسة التي حاول النظام اتباعها مع المواطنين الأكراد منذ ساعة انطلاق الانتفاضة، أواسط آذار (مارس) الماضي. ومن برهة 'الرشوة'، حين أرسل بشار الأسد ضباطه وممثليه إلى احتفالات عيد النوروز في منطقة الجزيرة السورية؛ مروراً بـ'جمعة آزادي'، التي أفصحت عن الترابط الوثيق في هموم العمل الوطنية والديمقراطية السورية، بين كرد وعرب؛ وصولاً إلى برهة اغتيال الناشط الكردي المهندس مشعل التمو، والتي كانت واحدة من سلسلة عمليات نفّذتها الأجهزة في مسعاها إلى افتعال أو تسعير بؤر احتقان إثنية وطائفية ودينية، في مناطق من سورية تمّ انتقاؤها بعناية فائقة.
ضمن سياقات مماثلة، تخصّ الملفّ الكردي تحديداً، ليس مستغرباً أن يكون النظام قد استطاب خيار شنّ هجوم مضادّ على تركيا، بهدف الإفلات قليلاً من ضغوطات حكومة رجب طيب أردوغان، الراهنة أو تلك التي يُحتمل أن تتعاظم في المستقبل القريب؛ وذلك عن طريق استخدام الورقة الوحيدة التي ما تزال متاحة، حتى إذا كانت محدودة النطاق والتأثير، ومحفوفة بالمخاطر البالغة: تحريك حرب بالوكالة، عن طريق حزب العمال الكردستاني، الـ PKK. ولم يكن تصريحاً مجانياً ذاك الذي أطلقه أردوغان، تعليقاً على العملية العسكرية التي شنّها الحزب مؤخراً وأودت بحياة 26 جندياً تركياً في جنوب شرق تركيا، واعتبر فيه أنّ 'حزب العمال الكردستاني أصبح أداة بيد قوى خارجية تسعى لضرب الأمن والاستقرار في تركيا'. وثمة مؤشرات عديدة توحي، وبعضها يؤكد تماماً، أنّ الـ PKK قد عرض خدماته على كلّ من إيران والنظام السوري، حتى إذا لم يرتقِ التعاون مع الدولتين إلى مستوى التحالف ضمن محور ثلاثي، واقتصر على عمليات كرّ وفرّ موجعة للأتراك.
وبينما يواصل أكراد سورية، بغالبية ساحقة، مشاركات نشطة في اشغال الانتفاضة، فيتساوون مع أبناء وطنهم العرب، أو يتفوّقون تماماً حين تكون المناطق الكردية هي ساحات التظاهر (كما حدث في مسيرة تشييع الشهيد تمو)؛ يقرأ المرء تصريحات مدهشة لبعض قادة الكردستاني، لا تتعاطف مع النظام السوري فحسب، بل تلصق الخيانة بأشقائهم أكراد سورية، وتطعن في شرف الانتفاضة ومقاصدها أيضاً. الرجل الثاني في الحزب، جميل باييك، يشاطر النظام الرأي بأنّ الانتفاضة 'مؤامرة خارجية'، وهو على يقين من أنّ أجهزة الأمن السورية 'لا تستهدف المدنيين الأبرياء'، وأنّ مجموعات المعارضة السورية ليست 'قوى ديمقراطية' بل زمر متفرقة 'طامعة في السلطة'. يوسف زيدان، زميله في القيادة ومسؤول العلاقات الخارجية، لا يتورّع عن حثّ إيران والنظام السوري على بناء 'حلف ثلاثي'، هدفه 'مواجهة مخططات تركيا في المنطقة'! ولكن هل يقول باييك أو زيدان كلمة واحدة عن أنساق التمييز والاضطهاد التي يتعرّض لها الأكراد في سورية أو إيران؟ وهل يرى، أحدهما او كلاهما، أي وجه لانخراط أكراد سورية في الانتفاضة، دفاعاً عن تلك الحقوق، وثقة بأنّ إسقاط النظام هو البوّابة الأولى لاستعادة حقّ المواطنة السوري، بادىء ذي بدء، ومعه حقوق الأكراد؟
يُضاف إلى هذا أنّ تقارير صحافية كانت قد أشارت إلى نجاح الحرس الثوري الإيراني في القبض على زعيم الحزب مراد قراييلان، الصيف الماضي، ثمّ إطلاق سراحه بعد مفاوضات مطوّلة انتهت إلى إبرام 'صفقة ناجحة' مع الرجل، وبالتالي مع قيادة الحزب عملياً. وكان لافتاً أنّ إيران لم تؤكد الخبر تماماً، ولكنها أعلنت أنها بالفعل اعتقلت شخصاً يحمل نفس الاسم، ولكنه ليس زعيم الكردستاني، فأطلقت سراحه! مدهش، من جانب آخر، أنّ قراييلان كان قد أدلى بحديث للقناة الثانية في التلفزة الإسرائيلية، اعتبر فيه أنّ أعداء إسرائيل هم أنفسهم أعداء الأكراد، وحثّ على وقف التعاون بين تل أبيب وأنقرةّ، وتقديم المساعدات الضرورية للحزب كي ينجح في محاربة تركيا! فإذا كان اليوم مستعداً لوضع حزبه في خدمة إيران والنظام السوري، ضدّ تركيا، فإنّ من حقّ المرء أن يتساءل عن ميزان صداقة/ عداء إسرائيل في هذا المثلث: منْ صديقها، ومَنْ عدوّها؟
وقائع التاريخ، الحديثة والقديمة، تسمح بالقول إنّ تاريخ الأكراد يقوم على سرديتين متكرّرتين، متكاملتين على نحو ما جدلي، رغم تناقضهما في الشكل والمحتوى. من جانب أوّل، ثمة وقائع السردية التي تروي موجات متعاقبة من الاضطهاد الإثني والسياسي والثقافي، على يد أمم صغرى وأمم كبرى، إقليمية وكونية؛ وثمة، من جانب ثانٍ، وقائع سردية الخيانة ذات الطابع المزدوج: أولى على يد الحلفاء أو الأصدقاء، أو ما صنّفهم الأكراد ـ عن خطأ، أو حسن نيّة، أو أمل كاذب ـ في عداد الحليف والصديق؛ وخيانة ثانية ذاتية اقترفتها قيادات سياسية كردية على مرّ تاريخ الأكراد، الحديث منه خصوصاً، إمّا بسبب تحليلات خرقاء تنتهي إلى نتائج كارثية، أو بسبب صراعات طاحنة داخلية بين مختلف القوى والأحزاب الكردية.
أولى الخيانات الكبرى وقعت سنة 1918 حين نصّت مبادىء الرئيس الأمريكي وودرو ولسون على حقّ تقرير المصير لكلّ الأقليات غير التركية في ظلّ الدولة العثمانية، ثم حين أقرّت اتفاقية سيفر لعام 1920 على إقامة دولة كردية، لكي تأتي اتفاقية لوزان، بعد ثلاثة أعوام فقط، فتوزّع المناطق التي يعيش فيها الأكراد على تركيا وإيران والعراق وسورية والإتحاد السوفييتي. على المراقب ذاته أن يتذكر أنّ أحدث الخيانات المعاصرة جاءت كذلك من رئيس أمريكي، هو جورج بوش الأب، الذي حثّ الأكراد على التمرّد ضدّ نظام صدام حسين، ثمّ تخلى عنهم، وتركهم فريسة لقاذفات الدكتاتور ومدفعيته الثقيلة.
وكان حزب العمال الكردستاني في طليعة دافعي الأثمان الباهظة لقاء التواطؤ الأمريكي ـ التركي القديم/ الجديد حول المسألة الكردية عموماً، وحقوق أكراد تركيا ومطامحهم بصفة خاصة، وذلك بعد سقوط صدّام حسين وإقرار الحكم الذاتي في كردستان العراق. وكان الجنرال المتقاعد جوزيف رالستون (الذي تولى مهمة عجيبة اسمها 'الموفد الأمريكي الخاصّ لمجابهة الـ PKK'!)، قد رفض التفاوض مع أية جهة تمتّ بصلة إلى 'هذه المنظمة الإرهابية' على حدّ تعبيره. إلا أنّ بعض القيادات الكردية العراقية ذاتها لم تكن بريئة من مسؤولية التواطؤ إياه؛ إنْ لم يكن جرّاء المشاركة اللوجستية، فعلى الأقلّ بسبب التزام الصمت المطبق. آنذاك أعلن رالستون أنه التقى بعدد من كبار المسؤولين الأكراد، وأوضح لهم بجلاء أنّ واشنطن لن تقبل بتحويل الأراضي العراقية إلى 'ملجأ آمن لإرهابيي الـ PKK'، لأنّ وجود هؤلاء في شمال العراق 'لا يمكن أن يكون في مصلحة العراق، خصوصاً وأنّ تركيا هي أفضل صديق يمكن أن يكسبه العراق في الجوار'. ولقد كان مدهشاً أن يستخدم الجنرال المتقاعد، والعضو السابق في رئاسة أركان الجيش الأمريكي، عبارة 'الملجأ الآمن' بالمعنى السلبي القدحي، متناسياً أنّ هذه هي التسمية التي أطلقها جورج بوش الأب على شمال العراق، بوصفه... ملجأ الأكراد الآمن!
وفي كتابه 'نهاية العراق: كيف خلق العجز الأمريكي حرباً بلا نهاية'، يروي الأمريكي بيتر و. غالبريث أنّ الحاكم الأمريكي السابق للعراق بول بريمر، حين زار مكتب مسعود البرزاني للمرّة الأولى ورأى صورة والده الملا مصطفى البرزاني معلّقة على الحائط، سأله: مَن هذا؟ وغالبريث يُعدّ الناطق غير الرسمي باسم أكراد العراق في الكونغرس لأنه تسلل ذات يوم إلى داخل العراق دون إذن، وعاد يحمل الكثير من الوثائق حول قصف حلبجا بالأسلحة الكيماوية، قدّمها إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، التي كان سكرتيرها. ولكنه يسوق حكاية بريمر لا لكي يسخر من جهل الأخير الفاضح وعجزه عن التعرّف على صورة الزعيم الكردي الأبرز في العصر الحديث فحسب، بل لكي يذكّر الأكراد بأنّ تجاربهم المريرة مع الغرب لم تنطو فصولها بعد، والقادم قد يكون أشدّ خطورة من الماضي.
وفي مناسبة سابقة، حين تصافح مسعود البرزاني وجلال الطالباني برعاية مادلين أولبرايت، بعد حرب ضروس، كان في وسع المخيّلة البسيطة أن تبصر الدم الكردي الآخر يقطر من بين الكفّين المتصافحتين، وأن تتلمس هذه الحقيقة الفاجعة: كيف يبدو يسيراً تماماً أن ينوب الكردي عن أخيه الكردي، في قتل أخ كردي ثالث. آنذاك، مثلما هو الحال اليوم، كان حزب العمال الكردستاني خاسراً كبيراً بالنيابة عن مآلات حرب الخليج الثانية، والمحاصصة الاقليمية الهشة والعشوائية الناجمة عن فشل تحالف 'عاصفة الصحراء' في صياغة وتنفيذ سيناريوهات ما بعد الحرب والدمار والانتفاضات المنفّذة بجهاز التحكّم عن بعد. وبالأصالة عن أنفسهم، وبالتالي عن مصالحهم الصغيرة الحقيرة، كان أكراد آخرون يقبضون ما يدفعه الحزب من أثمان!
فما الذي يجعل الكردستاني يفترض اليوم أنّ التعاون مع النظام السوري سوف يكون أفضل، أو أنه لن ينزلق سريعاً إلى صيغة الارتهان، وربما العمالة، بعد الانخراط في الحرب ضدّ تركيا بالوكالة؟ هل تجهل قيادة الحزب أنّ النظام أخذ يبدي عصبية إضافية تجاه أكراد سورية بعد احتلال العراق، وكأنهم حصان طروادة الذي قد يلجأ إليه الأمريكيون إذا شاؤوا زعزعة استقرار النظام؟ ألم تلجأ السلطة إلى الهراوة الغليظة، ثمّ الرصاص الحيّ على الفور، خلال المواجهات التي وقعت إثر مباراة كرة قدم في القامشلي، ربيع 2004، وتصرّفت على نحو فاشيّ وكأنها تجتاح مدينة حماة مجدداً، ممثّلة هذه المرّة في القامشلي والحسكة وعامودا وديريك والدرباسية وعين العرب وعفرين، أو كأنها تعيد إنتاج دروس مجزرة حماة بغية تلقينها للمواطنين الأكراد هذه المرّة؟
وكيف ينسى الحزب ذلك الزمن غير البعيد حين كان عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي للكردستاني، يقيم في البقاع برعاية سورية، وكانت التقارير الصحافية الغربية مولعة بوصف تحركاته في سيارة مرسيدس مصفحة تحمل لوحة دبلوماسية سورية، ويرافقها طاقم حراس شخصيين تابعين للأمن السوري... قبل أن تنقلب الحال رأساً على عقب هنا أيضاً، بعدما انحنى الأسد الأب أمام تهديد الأتراك وصار أوجلان طريداً، فلم يمضِ وقت طويل حتى وقع في المصيدة؟
إذا كان الحزب ينسى هذا كله، أو يتناساه عامداً، فإنّ المصيدة سوف تُنصب مجدداً، فيقع الحزب أسير نواس قاتل بين الوكالة والعمالة!