رضوان السيد


بالتأكيد، ليس موقف الحكومة اللبنانية من الثورة السورية، أمرا له الأولوية في المعالجة عشية اجتماع الجامعة العربية بالرباط، لكنني رأيت التعرض له، لأن استيلاء حزب الله على الحكومة في لبنان حول بلادنا إلى عائق كبير في وجه ثورة الشعب السوري، وزاد الطين بلة أن رئيس الحكومة القائمة نجيب ميقاتي ما يزال يحاول الضحك على العرب وعلى المجتمع الدولي بشأن هوية الحكومة وقرارها ووجهتها وأهدافها.
لقد كانت آخر إنجازات الحكومة العتيدة التي يترأسها ميقاتي، ذهاب وزير خارجيتها إلى اجتماع الجامعة العربية بالقاهرة ليكون إلى جانب يمن علي عبد الله صالح، ثاني المعترضين على قرار الجامعة بشأن التعامل مع النظام السوري القامع لشعبه، والخارج على إجماع العرب. وقد تفلسف الوزير اللبناني بعد الاعتراض، وتبعه كل شعوبيي لبنان وأقلياته بثلاثة أشكال: أن العزل السياسي غير جائز لأنه مقدمة للتدويل والتدخل الخارجي، أو أن سوريا قلب العرب والعروبة، وإذا حوصرت من العرب فينبغي الوقوف مع القلب وإهمال الأطراف، أو لقد كنا ساكتين على العرب والعروبة بسبب سوريا الأسد، وما دام العرب يريدون إخراج النظام في سوريا من العروبة فنحن نعلن خروجنا مع نظام الأسد من العروبة وعليها! وهذه كلها إجابات طريفة وظريفة ومفزعة في كشف الهويات والمصالح التي تختبئ أو كانت تختبئ تحت عباءة النظام الأسدي، المختبئ بدوره تحت عباءة البعث العربي - إنما الأطرف ولا شك مواقف الرئيس نجيب ميقاتي المتناقضة مما قام به وزير الخارجية اللبناني في الجامعة العربية. فبعد ساعات صرح ميقاتي بأن للبنان خصوصية سوف يتفهمها العرب، بل إنهم تفهموها، وفي اليوم التالي دافع أمام مجلس الوزراء عن موقف وزير الخارجية، وقال إنه تشاور معه ومع رئيس الجمهورية في ذلك، ثم في اليوم نفسه واليوم الثالث تحدث إلى نائب وزير الخارجية السعودي، وجميع سفراء مجلس التعاون الخليجي وقال لهم جميعا إن وزير الخارجية اللبناني ما أخبره شيئا، وما استشاره في الموقف الذي ينبغي اتخاذه!
إن هذا laquo;النموذجraquo; من تصرفات ميقاتي ما عاد استثناء، ولا اقتصر على حالة الجامعة، بل إنه صار - بل كان وظل - عملا دائما ومقصودا وميز شخصيته وسلوكه السياسي خلال ما يزيد على العقد ونصف العقد من السنين. فلا ثابت في سلوك الرئيس ميقاتي السياسي غير الولاء للنظام السوري وللرئيس بشار الأسد بسبب علاقته الخاصة به منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي. وما كان ذلك عيبا، بل مدعاة للفخر لدى ميقاتي وأنصاره وآخرين في لبنان إلى أن حدث أمران: المشاركة في الانقلاب على حكومة سعد الحريري، والاستمرار في الوقوف مع النظام السوري على مدى ثمانية أشهر وهو يقتل شعبه، ويعلن بكل اللغات والأصوات ومن لبنان بالذات خروجه على العروبة والإسلام. وفي المسألة الأولى، مسألة المشاركة في الانقلاب، كان المطلوب عزل المسلمين من السلطة في لبنان من خلال عزل تيارهم السياسي الرئيسي لتزداد السيطرة الحزبية السورية والإيرانية والعونية، ويصبح لبنان عضوا في التحالف الذي تحدث عنه الإيرانيون وتحدث عنه الأمين العام لحزب الله: إيران والعراق وسوريا ولبنان! وما كان ميقاتي غافلا عن ذلك، ولا عن laquo;دفتر الشروطraquo; الذي أملي عليه، وتقبله برحابة باعتبار أن صديقه الرئيس الأسد طلب منه ومن شقيقه ذلك. وها هو يتستر الآن بدعوى ضرورة ألا يخضع النظام السوري للعزل السياسي، فإذا كان العزل السياسي شريرا إلى هذا الحد، فلماذا قمت به تجاه بني قومك وتجاه الدولة في لبنان؟ لماذا مكنت أهل الشعوبيات المعاصرة، والأقليات المتحالفة على اغتصاب السلطة والقرار في سوريا ولبنان، من الاستتار بستارتك الشفافة على أي حال للقيام بكل هذه الأعمال ضد اللبنانيين والسوريين وسائر العرب؟!
منذ أن شكل الرئيس ميقاتي حكومته، دأب حزب الله ودأب الجنرال عون، ودأب الرئيس نبيه بري، على الاعتداء على الدولة اللبنانية وسياساتها الخارجية، كما دأبوا على الاعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة في الأمور العامة وفي التفاصيل، ودأبوا على دعم النظام السوري باضطهاد اللاجئين والمعارضين السوريين بلبنان، وملاحقتهم وخطفهم وتسليمهم لسوريا، وما تزال تلفزيونات لبنان وصحفه في الأغلب الأعم مشغولة بهناء النظام السوري، وكيفية قضائه على المعارضين الإرهابيين والمتآمرين. وفي وجه ذلك كله، يحاول ميقاتي أن يصمت عندما يكون الصمت ممكنا، أو التبرير عندما لا يكون الصمت ممكنا، أو الدفاع عما ارتكبه أحد الأشاوس إذا طلب السوريون النظاميون أو حزب الله ذلك. فقد خرج قبل أيام على التلفزيون ببدعة مفادها أن الأمين العام لحزب الله ما سد كل الأبواب في وجه تمويل المحكمة الدولية، بينما كان نصر الله يقول قبل يومين على حديثه إنه لا يقبل على الإطلاق الدفع للمحكمة لأنها مسيسة وإسرائيلية وأميركية، وإذا شاء ميقاتي أن يدفع فمن جيبه، أو من التبرعات الخارجية! وعندما تدخلت الأجهزة الأمنية اللبنانية لمساعدة المخابرات السورية في القبض على معارضين وتسليمهم - ومن دون استشارة ميقاتي طبعا! ndash; ما قال الرجل كلمة واحدة على الرغم من لجوء النواب إلى اللجان النيابية وتصاعد الصرخات والاحتجاجات، والاعتداء من جانب الأمن السوري والجيش على المناطق الشمالية والشرقية من لبنان التي يقطنها السنة؛ إنما دأب على القول علنا وفي المجالس الخاصة، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا، والأفضل للبنان البقاء على الحياد! لكنك يا رجل ما بذلت أي جهد للبقاء على الحياة، بل بذلت جهودا للتلاؤم مع رغبات النظام في سوريا ومع رغبات المسيطرين في حكومتك. وحتى في التواصل مع الأوروبيين والأميركيين والعرب، وأنت تعلم مدى التأثيرات السلبية على النظام المالي في لبنان نتيجة مداخلات البعض بالجوار والداخل، لكنه الارتباط الوثيق بالرئيس الأسد ونظامه، والخضوع الكامل لرغبات حزب الله وحلفائه!
ولا بد من كلمة عن الوضع في لبنان في ظل الثورة السورية، وبما يتجاوز ميقاتي ودعواه في الحفاظ على هيبة رئاسة الحكومة! ما بقي أحد في لبنان خارج قوى 14 آذار إلا وتجند لخدمة الرئيس الأسد ونظامه في وجه الشعب السوري. ويقال إن هناك من ساعد بالرجال والسلاح والتجهيزات. بيد أن ما نعرفه علنا أكثر دلالة. فالبطرك الراعي والبطرك لحام وبطرك الأرثوذكس وبطرك السريان وبطرك الأرمن، كلهم ربطوا مصير المسيحية في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ببقاء الأسد، وأنذروا بتهدد مصير المسيحيين إذا زال! وتجاوز بعضهم ذلك (مثل لحام والراعي) إلى اتهام الإسلام السني بالتطرف والعداء للمسيحيين بعامة، أو اتهام كل المعارضين للرئيس الأسد بالخروج على العروبة. إذ بحسب لحام فإن الأسد ونظامه هما شرط العروبة وليس العكس. وهؤلاء قلة من كثرة من قادة الأقليات اللبنانية والسورية، صرحوا علنا بأنهم يعتبرون وجود الأسد ووجود حزب الله سندا لهم وحماية من الإسلام السني الأصولي الهاجم، ولا يعجبهم منه غير الرئيس ميقاتي وأمثاله من أهل laquo;الإسلام الحضاريraquo;! أما كيف عرفوا أن المسلمين السوريين أصوليون ومتوحشون وضد المسيحيين، فهذا علمه عند ربك!
لقد تبين أن النظام السوري يستند من ضمن ما يستند إليه على تحالف أقليات يمتد بين سوريا ولبنان والعراق. وقد دخل الرئيس ميقاتي باختياره على هذا التحالف وبشروط التحالف وليس بشروطه هو، ولذلك فإن الأمل الباقي والقريب أن يتحرر لبنان من ميقاتي وحكومته عندما تحرر سوريا من تحالف الأقليات والشعوبيات الكارهة للعرب والإسلام، ومن المؤسف ألا يحدث ذلك إلا بثمن باهظ دفعه اللبنانيون ويدفعه السوريون من دمائهم:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق