مهند مبيضين


قبل أشهر، كان الفساد نقطة الارتكاز للمظاهرات وحراك الشارع، وما يزال. آنذاك، حصلت الاندفاعة الكبرى، وتقدم رئيس الحكومة، معروف البخيت، بملف الكازينو لهيئة مكافحة الفساد، كي لا يظل الحديث عن القضية التي لازمت حكومته الأولى مجرد حديث صالونات.
ما لبثت هيئة مكافحة الفساد أن اندفعت بذات المسار، وتوالت التصريحات والقصص الإخبارية في الإعلام. كان هناك نزر يسير مما يقنع الناس بجدوى ما يجري، وفي المقابل كانت الأقاويل تستمر وتتوالى، في دولة أقل ما يقال عنها إن اقتصادها يحتاج لبناء الثقة مجددا.
ما تزال الخسارة متعاظمة في مجال مكافحة الفساد، إذ لم يسترد من الأموال إلا القليل وما لا يستحق الذكر بشيء، في حين ظلت القصص تتعاظم بين الناس وتطال النظيف والشريف معا، دونما حسم في كثير من ملفاتها.
ومع مرور الأيام، تثبت صعوبة استرداد ما ذهب وبيع من موارد الدولة، لأن الفساد أضحى أشبه بشبكة ومؤسسة، وفي ظل تعدد مرجعيات المحاسبة الحكومية واختلافها. إلا أن الرقابة أصلا على أمر الدولة موكولة لمجلس النواب، وكانت الأسابيع الماضية كفيلة بإيضاح التباين في مواقف هيئة المكافحة ومجلس النواب من القضايا المطروحة للتحقيق.
هذا الواقع أدى إلى تدخل الملك، وحسم الأمر بتوجيه رسالة للحكومة يحثها على التثبت والتيقن والسرعة في إجراءات المحاسبة، وعدم ترك الأمر بيد الشارع الذي أضحى شعار مكافحة الفساد أشبه بنشيده اليومي، ليقفز الفساد على رأس أولويات الناس فوق تحديات الفقر والبطالة. وبالتالي، نسي الناس جميعا اليوم الذي ذهب فيه رئيس الحكومة لإثبات ذمته المالية، ثم ذهابه إلى هيئة مكافحة الفساد بنفسه للإجابة عن أسئلة تتعلق بملف الكازينو، وذلك ليس إخفاقا من الرئيس، بل من تقديرات العاملين بملفات الفساد.
بتلك الصورة بدا البخيت البعيد عن عقلية quot;البزنسquot; والمنتمي لسواد الأردنيين رائدا ومتقدما على الشارع، إلا أن الرجل كان أشبه بالأسد الذي يضيع فريسة لا لسبب، بل لأن ما كان يرجو تحقيقه من ذلك السلوك تحطم على صخرة الفساد الصلبة وقوتها ومتانتها. ومع ذلك، فالرئيس الذي أراد أن يبدأ مكافحة الفساد بما كان يثار ضد حكومته الأولى، بات في حاجة ماسة لكي يقنع الناس بأن ما أراده كان بداية جديدة له ولحكومته التي قيل إنها ستختلف عن حكومته الأولى، وهو بعد المائة يوم الأولى في مواجهة ثلاثة تجاذبات؛ أولها الشارع الذي ما يزال متوترا ومتعطشا لرؤية فاسد خلف القضبان، وثانيها القوى العكسية التي تريد إفشاله ولا تتوانى عن وصفه بالمتردد والبطيء، وثالثها الفجوة الآخذة بالتمدد بين المواطن ومؤسسات الدولة.
تعددت الأقاويل في الفساد الأردني، لكن الناس اتفقوا على ضرورة مكافحته كمدخل للإصلاح. وقدم الملك دعما لا متناهيا حين زار هيئة مكافحة الفساد، ثم في تأكيده في رسالته أول من أمس للحكومة على محاربة الفساد ومن يقف وراءه كائنا من كان. وعلى ذلك يتوفر الدعم مرة أخرى للحكومة في مهمتها نحو مكافحة الفساد، لكن بشرط التثبت والتيقن مع السرعة في الإجراءات.