عدنان حسين


لا غرابة في أن تكون هناك معارضة في حال من السوء تماثل ما هو عليه النظام الذي تعارضه، أو أسوأ منه، حتى لو كان هذا النظام دكتاتورياً منبوذاً من شعبه ومن المجتمع الدولي على السواء.

لا غرابة، فنحن في العراق نعيش الآن حالاً كهذه، ذلك أن معظم معارضي نظام صدام تبيّن - بعدما أمسكوا بالسلطة واستحوذوا على النفوذ والمال - أنهم يناظرون ذلك النظام في سوئه، بل يبزّونه في السوء أحياناً. وإذا ما أردنا عقد مقارنة بين ما كانت عليه حال الشعب العراقي قبل 2003 وما باتت عليه هذه الحال بعد إطاحة صدام ونظامه منذ ثماني سنوات لن نجد الكثير من الفروق، فلم يزل العراق وشعبه في حال من البؤس والفاقة والذل وهدر الكرامة وانتهاك الحقوق على النحو الذي تسبب فيه صدام ونظام البعث على مدى ربع قرن. وبمرارة يتساءل الآن الكثير من الناس هنا: لماذا أسقطنا صدام إذاً؟
هذا المرض العراقي بانت أعراض له على جيراننا الغربيين، السوريين، فهناك أيضاً مدّت رأسها من الخارج معارضة تبدو في صورة النظام الذي تعارضه كما لو أنها مُستنسخة عنه.
في تركيا وسواها اجتمع مئات من المعارضين السوريين المنفيين في الخارج وأعلنوا مؤازرتهم لشعبهم المنتفض من أجل الحرية والديمقراطية، وهم عملوا خيراً بهذا. كما أنهم اتخذوا مواقف معينة ووضعوا شروطاً وطرحوا مطالب، وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه أحد.
وفي داخل سوريا أجتمع في فندق دمشقي بضع مئات من المعارضين الذين خرج الكثير منهم للتو من المعتقلات والسجون التي أمضى فيها بعضهم سنوات عديدة، وهم أيضاً محضوا انتفاضة شعبهم كل التأييد والتقدير، وحددوا من جانبهم مواقف وأعلنوا شروطهم ومطالبهم ومنها وقف القمع الدموي في الحال من جانب السلطة وإطلاق سراح جميع المعتقلين وإقامة نظام ديمقراطي مدني.
في الواقع لم يكن هناك أي اختلاف في الوجوه، في مواقف وشروط ومطالب معارضي الخارج ومعارضي الداخل، لكن بعض معارضي الخارج سارع، على الطريقة العربية المعتادة، إلى تخوين معارضي الداخل واعتبارهم ذيولاً وتوابع لنظام بشار الأسد، فقط لأنهم عقدوا اجتماعهم داخل بلادهم، سوريا!
اجتماع الفندق الدمشقي ما كان يمكن لأحد قبل ثلاثة أشهر أن يفكر، مجرد التفكير، بعقده، لكن انتفاضة الشعب السوري هي التي أرغمت النظام على القبول بهذا على مضض، مثلما قبل بالإعلان عن عزمه على إجراء إصلاحات كان يرفض في السابق حتى مجرد ذكرها والإشارة إليها.
معارضو الخارج السوريون الذين افتروا على أكثر من مئتين من المثقفين والناشطين السياسيين والحقوقيين البارزين الذين اجتمعوا في فندق سميرامس الدمشقي الاثنين الماضي، أظهروا أنهم يحملون العقلية ذاتها التي في رأس النظام الذي يعارضون.. عقلية الاحتكار والاستئثار، مع إنهم ليسوا منتخبين من الشعب المنتفض ولا مفوضين عنه لاحتكار الهوية الوطنية وتوزيعها على من يشاؤون وحجبها عمن يشاؤون.
ولأننا نحن العراقيين أصحاب تجربة سابقة مماثلة في هذا الميدان بلغت من العمر الآن ثماني سنوات، وجب علينا أن ننبه إخوتنا السوريين إلى الحذر من تفشي بلوانا في صفوفهم.. بلوى انتقال السلطة من حزب شمولي واحد (البعث) إلى عدة أحزاب وجماعات شمولية هي الأخرى، إسلامية في الغالب.. من حرامية وفسدة كانوا يتغنون بالقومية العربية إلى حرامية وفسدة مثلهم تماماً، لكنهم هذه المرة يتغنون باسم الإسلام والوطنية.. والقومية أيضاً.