أحمد عبد الملك

عاش شمال الخليج الأسابيع الماضية حالة من التوتر إثر تضارب الأنباء حول مزاعم عن قصفٍ صاروخي قيل إنه استهدف ميناء quot;مبارك الكبيرquot; الكويتي في الجزء الشرقي من جزيرة quot;بوبيانquot; الكويتية، على مدخل المَمر المائي للعراق على الخليج العربي.

وفي حين نفت مصادر أمنية كويتية النبأ بقولها: quot;إن صواريخ لم تطلق باتجاه الأراضي الكويتيةquot;، إلا أن مصادر ذكرت أن صاروخين سقطا داخل الأراضي العراقية، فيما سقط صاروخ ثالث داخل المياه الإقليمية العراقية.

وفي بغداد أعلن مكتب القائد العام للقوات العراقية رئيس الوزراء المالكي أن الصواريخ كانت تستهدف قطعات تابعة للجيش العراقي، وأن مسلحين أطلقوا الصواريخ باتجاه سجن quot;بوكاquot; الواقع قرب قضاء quot;أم قصرquot; وليس ميناء quot;مبارك الكبيرquot; الكويتي قيد الإنشاء.

ثم حصل لغط واضح في الإعلام كالعادة! حيث تناقلت الأنباء خبر استدعاء الخارجية العراقية للسفير الكويتي في بغداد علي المؤمن وتسليمه مذكرة احتجاج على quot;التعدياتquot;، وقد اتضح أن السفير لم يكن موجوداً في بغداد، بل كان يقضي عطلته في بيروت! ووفقاً لمصادر صحافية اتصلت به قال السفير: quot;أنا في إجازة في لبنان، فكيف يستدعونني وأتسلم مذكرة احتجاج؟quot; (القبس 27/8/2001).

ومن جانبه قال الناطق باسم وزارة الدفاع العراقية quot;إن مجموعة إرهابية هاجمت بالصواريخ سجن laquo;بوكاraquo; السابق، الذي يضم شركات عراقية وأجنبية في البصرة دون أن يؤدي الحادث إلى سقوط ضحاياquot;. كما نفى الأنباء التي ترددت أن الصواريخ كانت تستهدف ميناء مبارك الكويتي.

وعلى اتصال بالحادث، فقد سبق لـquot;حزب اللهquot; العراقي أن هدد بمهاجمة الكويت إذا أصرّت على إقامة الميناء المذكور. وكان الحزب قد أطلق حملة -على موقع الفيسبوك- في العراق لإغلاق المنافذ الحدودية العراقية مع الكويت والسعودية.

وكانت قد سجلت ردود فعل ممتعضة حول إنشاء الميناء -وهو حق سيادي للكويت فوق أراضيها- دون استشارة أو التنسيق مع العراق، معللة ذلك بأنه سيخنق العراق، وأن الميناء سيكون الميناء الأول الذي سيستقبل البضائع القادمة من الخارج، ما يعني عدم الحاجة إلى الأراضي العراقية لتربط المنتجين مع أوروبا والأردن. وضمن الحملة التي أطلقت على الفيسبوك -في العراق- جاء ما يلي: quot;علينا قبر هذا المشروع الاستفزازي عبر إطلاق حملة ضغط على الحكومتين العراقية والكويتية بمنع استخدام الأراضي العراقية كمعبر لبضائع هذا الميناء، ومنع الربط السككي والبري مع الكويت! وهو ما يجعلها أمام واقع مرير وخسارة اقتصادية كبيرة، وستجعل من هذا الميناء غير ذي جدوى في المجال الاقتصاديquot; (الرأي العام 27/8/2001 ).

وعلى هامش الاجتماع غير العادي لوزراء خارجية الدول العربية أكد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح أن quot;أصوات التهديد التي تخرج من بعض المجموعات في العراق لا تشكل تهديداً للكويت، بقدر ما تشكل تهديداً للعراق نفسهquot;، مشيراً إلى أن أبناء الكويت قادرون على حماية بلدهم من أي اعتداء!

والحال أن النفيين الكويتي والعراقي لحقيقة توجيه الصواريخ الثلاثة خففا من زحمة الأنباء المتواترة، ومن التوقعات السلبية التي يمكن أن تنتج عن مثل هذا الحادث.

وفي الوقت الذي تمرُّ فيه العلاقات الكويتية- العراقية بمرحلة إزالة آثار احتلال العراق لدولة الكويت عام 1990، ومعالجة ديون الكويت على العراق وبقية استحقاقات الكويت الدولية جراء ذلك العدوان خلال حكم صدَّام، فإن أية محاولة لتعكير الأجواء بين البلدين الجارين لن تخدم الشعبين في البلدين، وستُعيد التوتر على الحدود الكويتية- العراقية، ولا يعلم إلا الله مدى تأثيرات أية توترات قادمة على مستقبل العلاقات بين البلدين، وعلى علاقات العراق مع دول مجلس التعاون، ودول الجوار عامة.

إننا نأمل أن يلتفت العراقيون إلى بناء بلدهم بصورة إيجابية، وتتحقق الوحدة الوطنية لإنقاذ البلاد من الطائفية والمذهبية والانفلات الأمني، خصوصاً بعد إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من هذا البلد الذي دخلته عام 2003 منهية بذلك حكم الديكتاتور صدَّام الذي أوردَ العراقيين موارد الذل والهوان لحوالي ثلاثين عاماً. وأن يعود العراق إلى سابق عهده في الريادة في كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، خصوصاً مع بداية quot;الربيع العربيquot;، واندلاع الثورات العربية التي أطاحت بالأنظمة الديكتاتورية وما زالت تمهد الطريق نحو البناء الديمقراطي وإنشاء دول المؤسسات.

إن حل المشكلات القائمة بين العراق وجيرانه من الأمور الأكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية، فالبناء الداخلي لا يتعزز ما لم يتوفر الأمن الداخلي والثبات الحدودي. كما أن الجماعات المسلحة -داخل العراق- تبقى مسؤولية عراقية في المقام الأول، وقد تُشعل شرارات حارقة بين العراق ودول الجوار! ولهذا فإن حادثة إطلاق الصواريخ الثلاثة في الأراضي العراقية، تسترعي الانتباه وتثير حفيظة الآخرين للتأهب لحوادث مماثلة في المستقبل، قد لا تكون الحكومة العراقية مسؤولة عنها، وهذا ما يجعل هذه الأخيرة في موقف مُحرج مع جيرانها.

لذلك، فإن تأمين الحدود وصيانتها من الأمور الضرورية لوقف أية أعمال طائشة وغير مسؤولة قد تسبب الاستفزاز والاستنفار لأي طرف كان، وبالتالي يحدث المحظور.

ونحن في الخليج نأمل ألا تمتد إلينا يدُ الإرهاب -مهما كانت جنسيته لأن الإرهاب لا جنسية له- ولابد من قطع تلك اليد من مصادرها! كما أننا نأمل أن تعيش كل شعوب المنطقة في أمن وسلام ورخاء، وأن تتحمل كل حكومة مسؤولية هذا الأمن والسلام والرخاء.