سمير عطا الله


كانت مصر ما قبل 25 يناير أكبر وأقوى دولة عربية. قوتها المركزية ليست مدار شك أو بحث. أجهزة مخابراتها، في الداخل والخارج، ذات سمعة عالمية، في ما هو جيد وما هو غير مقبول. ومع ذلك سقطت الدولة القوية في أيام. وفي أيام كان قد سقط نظام بن علي الشديد الإحكام. وتأخر سقوط القذافي للأسباب المعروفة. وخرج اليمن يطالب بسقوط رئيسه. ثم اشتعلت الاحتجاجات في سوريا التي كان الجميع يعتقدون أنها مغلقة أمنيا مثل قفل.

منذ سقوط بن علي حتى الآن أعطيت عشرات النظريات حول أسباب laquo;الربيع العربيraquo; الذي لم يكن متخيلا أو محتملا قبل عام. ومعظم تلك النظريات يحمل عنصرا صحيحا ما، ضمن أسباب وتشعبات شتى. وأعتقد اليوم أنه إذا أردنا حصر كل المعطيات في سبب واحد فهو الثقة. فقدت الشعوب ثقتها بالأنظمة ثم انفجرت مرة واحدة.

الاتحاد السوفياتي كان أقوى قوى الأرض. وكانت مخابراته في الداخل والخارج ذات سمعة أسطورية. كان أهله يخافونه وحلفاؤه يهابونه وأعداؤه يحسبون له ألف حساب. لكن الناس اكتشفت أنها تعيش في خدعة وأن حرياتها وحياتها تهدر بلا أي بدل. مجرد وعود وأدبيات لم تعد قادرة على تغطية عقود الضياع.

الثقة كانت كلمة السر. لا عدَّ ولا عدد لأوجه الشبه بين الاتحاد السوفياتي والنظام العربي الذي انهار من دون أن يفكر في إعداد بديل يسلمه البلدان بلا دماء ولا خراب. هكذا ذهبت السلطة إلى الذين كان يرفض الإقرار بوجودهم، واليوم يرفضون هم القبول بأي بقاء له. من برلمان مصري بلا إخوان وسلفيين إلى برلمان مزدحم بالإخوان والسلفيين ولا مكان للآخرين إلا في رفع العتب وجبر الخواطر المكسورة.

وأزمة الثقة لا تزال في مكانها. أو لعلها أعمق اليوم. وبسببها لم تعد الدولة إلى مكانها في دول الربيع. ففي نية كل فريق أن يقيم دولته دون سواه. وكل فريق يخشى المستقبل ولا يثق به. وما من أحد يدري ما هي القوة الفعلية لقوى الإدراك والمؤسسات التقليدية في حفظ الوحدة وضبط الإيقاع الوطني السريع العطب.

وفي طليعة هذه القوى صرح الأزهر بعلمائه ومفكريه وتلامذته. ولا أدري ما هي المؤسسة المقابلة أو الموازية في ليبيا واليمن وتونس. لكننا لا نعرف عنها شيئا لأن الأنظمة ألغت وجودها ولم تسمح لها بالظهور. وربما كان الجيش قادرا على ضبط التوازنات ولكن ثمة خشية دائمة بأن يميل إلى ممارسة عسكريته بدل توازنه وشموليته الوطنية. أما المؤسسات المدنية، بما فيها القضاء، فلا دور لها مع الأسف. ولذا يظل موضوع الثقة قائما كسبب للخوف وعدم الاستقرار كما كان سببا أساسيا في الربيع الدامي.