عقل العقل
أحد الزملاء اتصل محتجاً على مقالة لأحد الكُتَّاب السعوديين المقيمين في الخارج، انتقد فيها أحد الوزراء وأداء وزارته الضعيف، سألت ذلك الزميل وما المشكلة أن يصب جام غضب قلمه على أداء وزارة متهالكة، آخر همومها هو القيام بواجباتها لخدمة مواطني هذه البلاد؟ ظل صاحبي يبرر أن ذلك الكاتب السعودي، ومجموعة من الكتّاب والكاتبات السعوديين، وبعض الأكاديميين المتقاعدين بدأوا بشد الرحال إلى دول الجوار للبحث عن مستقر لهم، ولكل منهم سببه الشخصي والموضوعي للهجرة الطوعية التي يريدونها.
قلت له إن البُعد المكاني عن الوطن لا يعني نزع ما يختلج بالعقل والعواطف تجاه وطن استقبلك طفلاً وربيت وعشت أجمل أيام العمر على ترابه، ولا تزال أجمل الذكريات في الذاكرة، كل هذه المشاعر تجعلنا، مهما ابتعدنا عن أوطاننا، نحس أن ما يجري فيها من مشكلات وغيرها هي قضيتنا الأولى، مهما عشنا وأخذتنا دورة الحياة في بلاد الغربة، ويجب أن نرحب بكل صوت وطني ينتقد ما يجري في بلادنا كافة، إنني أزعم أن المهاجرين من أبناء هذا الوطن قد يشاهدون الصورة أوضح منا لما يجري في مجتمعنا، بسبب أننا بالداخل نخلط بين التنازعات الفكرية الداخلية التي قد تضغط علينا وتجعل ما نؤمن به هو الحق المطلق، لا علاج أزماتنا، أما من يوجد منا في الخارج فقد لا يكون تحت مثل هذه الضغوط.إضافة إلى أن الإعلام الإلكتروني يساعد الجميع في معرفة ما يجري في أي بلد كان، فمن خلال مشاهدات لبعض التعليقات والمقالات الصحافية نجد ليس فقط أبناء هذا الوطن هم من تشغلهم قضاياه، بل إن الكثير من أبناء الوطن العربي والإسلامي يشاركوننا قضايانا الداخلية، والبعض منهم قد يكون عنيفاً وقاسياً في نقده لبعض قضايانا الداخلية، فهل يصح أن نهاجم الجميع ونقول إن من حق هذا أو ذاك المشاركة في الخوض بقضايانا الداخلية؟
البعض قد يطرح المقولة التي تردد في عقول بعضنا بأننا نتمتع بخصوصية لا يفهمها إلا من هو داخل هذا الوطن، الغريب أن أكثر الدراسات التي قدمت عنا كتبها أجانب، أو بعض الكتّاب العرب، إما على شكل دراسات تاريخية أو اجتماعية، أو على شكل روائي تميل إلى السير الذاتية.
إنني أعتقد أن الإعلاميين والأكاديميين من هذه البلاد، يجب أن يرحب بهم وبتجاربهم، وأن نبتعد عن الغيرة والحسد في التعامل معهم، فأنا لا أطالب بوزارة مهاجرين لهم مثلاً، ولكن يجب أن يكون هناك جهة رسمية في الوزارات المعنية تكون على تواصل معهم لحل أي مشكلة تواجههم، أو أي معلومة يحتاجونها، وأن يُعقد لهم مؤتمرات ومنتديات سنوية، ليس شرطاً أن تكون بالداخل، بل تكون في الأماكن التي يوجدون فيها، يجب أن نؤسس علاقة مع هذه الشريحة يكون أساسها الثقة بهم وليس الشك، وأن يتم التعامل معهم وكأنهم طابور خامس، وأن نكف عن التساؤل المستمر عن سبب هجرتهم، أو انتقالهم إلى البلدان التي يرغبون فيها.
علينا أن نفرح عندما نشاهد إعلاميي وإعلاميات هذا الوطن في المحطات التلفزيونية العربية والعالمية، وهذا الفرح ينطبق على الأكاديميين الذين يختارون العمل في الجامعات التي يشاؤون في أي بقعة من العالم، إن التنوع في التجارب إثراء لنا كمجتمع، وانفتاح على الآخر، كما يدعو بذلك خادم الحرمين الشريفين عن طريق دعوته للحوار بين الديانات والثقافات المختلفة.
التجربة المصرية من خلال إعلامييها وكُتَّابها في العالم العربي استطاعت أن تجعل الثقافة المصرية هي الرائجة والمقبولة في العالم العربي، ما مهد للغزو التلفزيوني والسينمائي المصري للمجتمعات العربية، التي لا تزال موجودة حتى الآن، أيام الرئيس الأسبق السادات، وبعد توقيعه لاتفاق laquo;كامب ديفيدraquo;، هاجر الكثير من الكتّاب والإعلاميين المصريين إلى بعض الدول العربية، وكان لهم تأثير قوي، ثقافياً وسياسياً، في تلك المجتمعات، أقول إنه علينا الاستفادة من هؤلاء الإعلاميين، ليس بالشكل الممجوج والمباشر، ولكن عن طريق الدعم والاستفادة من تجاربهم، واستقطاب من يحب العودة إلى الوطن، والكثير يعرف تجربة العَالِم المصري الدكتور أحمد زويل، وكيف يقدم بلاده بالمحافل الدولية، نتمنى أن نشاهد إعلاميين وأكاديميين يقدمون صورة حقيقية عن واقعنا الذي لا يمثل تياراً أو رأياً واحداً.












التعليقات