محمد نور الدين

قبل عدة أشهر تحدث رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان عن ضرورة ldquo;تنشئة جيل متدين ومحافظ في تركياrdquo; . وقد ترك هذا التصريح ردود فعل كثيرة في الداخل، باعتبار أن تركيا دولة علمانية ولا يمكن لرئيس حكومتها أن يجعل مهمة تديين المجتمع من وظائف الدولة العلمانية . بل إن هذه المهمة فردية واختيارية لا يحق للدولة أن تتدخل بها .

لم يكن تصريح أردوغان الأول من نوعه الذي يعكس نوايا حزب العدالة والتنمية في النظرة إلى طبيعة السلطة وما يجب أن تكون عليه . بل إن من أهم الخطوات التي اتبعها الحزب من أجل كسر الدفاعات العلمانية في تركيا كان التدرج في إضعاف المؤسسة العسكرية حامية النظام العلماني وصولاً إلى إخضاعها الكامل للسلطة السياسية . ومثل هذا الإجراء في الدول الديمقراطية أمر طبيعي ومطلوب من أجل ترسيخ النظام الديمقراطي، لكن التوازنات في الداخل التركي والحساسيات بين المكونات الاجتماعية تجعل مثل هذا الإجراء محطة من أجل هدم النظام العلماني برمته وإحلال نظام ديني بدلاً منه .

وفي الأول من أغسطس/ آب الحالي أشار نائب رئيس الحكومة بكر بوزداغ في حفل وضع حجر الأساس لجامع في مجمع جامعة القوقاز في مدينة قارس في أقصى شرق تركيا إلى أن ldquo;وجود جامع في مجمع جامعي لا يقل أهمية عن وجود كلية جامعية . ومن الصعب هنا القيام بتفضيل خيار على آخرrdquo; .

وقد أثار أيضاً عزم الحكومة على إنشاء جامع في أعلى تلة في اسطنبول في القسم الآسيوي في المنطقة المسماة تشامليجه وموافقة كل السلطات الرسمية عليه أيضاً، ردود فعل على أساس أن اسطنبول لا تنقصها جوامع، خصوصاً أن الجامع المنتظر سيكون أكبر جوامع تركيا وربما العالم في خطوة تريد إظهار الوجه الإسلامي لتركيا ما اعتبره البعض خطوة لا لزوم لها ولا تلبي سوى نزعة كامنة داخل أردوغان .

تبقى مع ذلك كل هذه الخطوات ldquo;شكليةrdquo; أمام خطة الحكومة ووزارة التربية تحديداً في تغيير مراحل النظام التعليمي التي سيبدأ تطبيقها في العام الدراسي المقبل .

وقد كانت معاهد ما يسمى ب ldquo;إمام - خطيبrdquo; الدينية رمزاً للصراع، كما للتوظيف السياسي، بين الإسلاميين والعلمانيين في تركيا منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية . وأول من أنشأ هذه المعاهد في العام 1949 كان حزب الشعب الجمهوري العلماني المتشدد تحديداً من أجل كسب أصوات الفئات المتدينة في المجتمع في انتخابات العام 1950 . لكن هذه المعاهد كانت تشهد انتشاراً واسعاً في عهد الحكومات ذات الطابع الإسلامي في عهد عدنان مندريس ونجم الدين أربكان وطورغوت أوزال . وهذه المعاهد لا تختلف بشيء عن المدارس الرسمية سوى في بعض المواد الإضافية ذات الطابع الديني التي توفر من بين خريجيها أئمة للمساجد وخطباء وكوادر للعمل في المؤسسات الدينية والتعليمية .

النظام التعليمي الجديد يلحظ توزيع المراحل التعليمية إلى أربع كل منها أربع سنوات . بحيث يمكن للطالب الذي ينهي المرحلة الابتدائية أن يواصل تعليمه في المرحلتين المتوسطة والثانوية في معاهد إمام خطيب . وهو ما يسهم في تنشئة جيل أكثر تديناً في مرحلة مبكرة من العمر (عشر سنوات)، لا سيما بالنسبة للفتيات .

وكما كان متوقعاً، فقد انفجر الإقبال على الانتساب إلى معاهد إمام خطيب هذه السنة بحيث إن عدد الذين كان يدرسون في المعاهد السنة الماضية بلغ نحو ربع مليون طالب وطالبة فيما هذه السنة بلغ عدد المتقدمين ثلاثة أرباع المليون وهو ما لا تستطيع المعاهد الموجودة حالياً استيعابه .

ولا يقتصر الأمر على معاهد أمام خطيب بل إن الحكومة عبر وزارة التربية قامت بفتح مئات الدورات لتدريس القرآن الكريم في دورات خاصة .

كما أن المناهج التعليمية في المدارس قد أدخل اليها مواد لتدريس حياة النبي محمد وما شابه . وإلى ذلك، لا يمر يوم من دون أن تخرج أنباء عن منع الكحول في هذه المنطقة أو تلك وبعضها أيضاً في الجامعات .

لا شك، أن تعبير المجتمع عن هويته الدينية أو أي هوية أخرى حق من حقوق المواطن على أن يكون في إطار الحريات والخيارات الشخصية . أما إذا كان الأمر يتعلق بتغيير بنية الدولة العلمانية وصولاً إلى إلغاء أساسها العلماني فسيكون هذا بلا شك إحدى المشكلات التي ستواجهها تركيا على صعيد الاستقرار الداخلي، إذ يتهمه خصومه أن هدفه النهائي هو استئصال النظام العلماني وإقامة نظام ديني . وهو الأمر الذي سيقلل إلى درجة الصفر آمالها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي . هذا إذا كانت تريد حقاً الانضمام إليه .