قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

جاسر الجاسر

هذا هو حال سوق الأسهم السعودية التي انهارت فجأة من دون سبب أو مبرر، كأنما فأر اخترق صف طالبات فتفرقن شذراً رعباً وخوفاً، مع أن الفأر حيوان جبان يلتقط دروب السلامة والنجاة مثل التقاط الحمام للحب المنثور.

كثيرون من المحللين وذوي العلاقة الأقرب، طبيعة وممارسة، إلى مفسري الأحلام وقارئي الأبراج روعوا الناس أن النفط يتداعى، وأن البلد إلى إفلاس يعصف به يجعل الريال مثل التومان الإيراني حيث الورق أعلى من القيمة والرصيد.

مرت سوق الأسهم السعودية بنحو 20 انكساراً منذ 2006 لم يكن للنفط علاقة بها ولعلها حين تجاوزت حاجز 9000 نقطة في الشهر الثاني من هذا العام كان سعر النفط قد تجاوز 110 دولارات للبرميل منذ آذار (مارس) 2008، فلماذا لم تتفاعل معه طوال ست سنوات ولم تتأثر بارتفاعه الصاروخي بما في ذلك موازنات البلد الضخمة وكثرة إنفاقها على المشاريع؟

سياسياً لا يوجد سبب، فالسعودية لم تكن صاحبة سطوة ونفوذ مثلها الآن فضلاً عن أن السوق لم ترتعب من تهديدات «داعش» أو انتشار الحوثيين في اليمن أو الوقوف الصلب والحازم مع مصر ضد هجمة «الإخوان» أو بيان حصر الجماعات الإرهابية أو جريمة «الدالوة» واحتمالات الاحتقان الطائفي، أو حتى الإشاعات عن تجاذبات في العائلة المالكة.

اقتصادياً لم تتأثر سوق الأسهم بتراجع الاحتياط النقدي بنحو 100 بليون ريال عام 2009 كما لم تتفاعل إيجاباً مع وصول الاحتياط إلى 2.72 تريليون ريال نهاية العام الماضي مع أنه يبني جدراناً متينة من الثقة والحصانة لسنوات طوال.

إعلامياً تدفقت التقارير المخيفة عن مستقبل الخليج القاتم بعد توالي تراجع أسعار النفط ودخولها حال ركود وعجز متتابع، وكأن هذه الحال الظرفية أصبحت قدراً لا يمكن الفكاك منه، ثم ينتشر الخوف في الدم حين تأتي تصريحات وزراء نفط الخليج أن لا خفض للإنتاج حتى إن تدنى سعر البرميل إلى 40 دولاراً.

المشكلة هي الولع بالإشاعات وسرعة الانجذاب إليها وكثرة المضاربة الآنية في السوق وضوابط تسهيل الدعم المقدم من المصارف وشهوة الطمع وعدم التركيز على استثمارات طويلة الأجل مع الاستناد إلى تسريبات وظنون وتخرصات ووصايا في عمليات البيع والشراء.

المشكلة الأخرى أن السوق مثل إدمان القمار من يدخلها لا يغادرها وإن عاهد نفسه على التوبة، أو كانت إمكاناته لا تتجاوز نفقات سفر صيف للعائلة فلا يحتمل الصدمة، أو أن سطوته متكئة على المصارف، وهي مثل تاجر البندقية لا تطيق صبراً على خسارة ولا تعرف معنىً للعلاقة والصداقة.

علاقة السوق بالنفط تقتصر على الشركات ذات الصلة بالصناعات النفطية، فلا يفهم أحد ما صلة المصارف وشركات الاتصالات والتأمين وغيرها لكي تسقط تباعاً على رغم توزيعها أرباحاً، وتتكئ على الناس في الداخل وضروريات حياتهم مهما ارتفع النفط أو هبط.

ما حدث في سوق الأسهم علامة استثمارية فبعض أسهم الشركات وصل سعرها خمسة ريالات، أي أقل من ثمن علبة سجائر، والذين يفكرون في الغد ويراهنون عليه سيجدون أن الزمن يواليهم لكي يصنعوا مستقبلاً جديداً بعدما حرمهم ازدهار السوق من حصد أرباح سهلة ويدركوا أن الثبات لا المضاربة هو الأساس، أما المضاربون فهم مقامرون يربحون أياماً ويخسرون أخرى، شرط ألا يقلدهم المبتدئون والعابرون لأنهم سيكونون الحطب والوقود لا أكثر.

المسألة باختصار أن رعب 2006 لم تنطفئ جذوته وزرع في عظام السوق هشاشة مستديمة وروحاً متطيّرة تحسب كل صرخة عليها فلعل تصريح وزير المالية، أمس، يطرد أوهامها ويمضي بها إلى السكينة.