محمد علي فرحات

لا يكفي قتال «داعش» أطراف المعارضة السورية الأخرى، وفي مقدمها «جبهة النصرة»، لتبرير نظرة مزدوجة إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، تبارك عملها في العراق وتدينه في سورية. التنظيم واحد والنظرة إليه ينبغي أن تكون واحدة، وإن كان ابتلع معظم المعارضة العراقية (واضعاً وحدة العراق في مأزق يتجاوز تحديات إقليم كردستان) فهو يعجز إلى الآن عن السيطرة على المعارضة السورية لأسباب اجتماعية لا سياسية، فالمعارضة العراقية تتركز في امتدادات البادية السورية وامتدادات منطقة الجزيرة، فيما تتوزع المعارضة السورية في بيئات لا تتقبل «داعش» كونه يأنس إلى البداوة ويعجز عن اختراق المجتمعات المدينية أو الفلاحية.

&

يروي صديق سوري أنه بمجرد وصول سيارات «داعش» الرباعية الدفع إلى دير الزور، خلع عناصر «الجيش الحر» ثيابهم العسكرية وتغلغلوا بين السكان كمدنيين. ولما استطاع «داعش» قتل حوالى 4 آلاف عنصر من خصومه الإسلاميين المسلحين، أظهر حقيقته كتنظيم محكم التمويل والتجهيز والتسليح، متقدماً إلى العالم بكونه جيش «القاعدة» لا خلاياها الإرهابية. إنه الآن في أوج انتصاراته في العراق حيث يشكل نزفاً للدولة المركزية وحزب «الدعوة» الذي يقودها بعقلية طبعة شيعية من «الإخوان المسلمين»، وبالتالي نزفاً للحليف الإيراني.

&

ولم يحقق الرئيس حسن روحاني في زيارته إلى تركيا خطة مشتركة لترتيب أوضاع سورية والعراق، على رغم الكلام على تعاون استراتيجي بين البلدين. لا تستطيع طهران وأنقرة وحدهما رسم مستقبل دمشق وبغداد. ثمة شركاء عرب ودوليون لم يتفقوا بعد، وفي انتظار الاتفاق فإن طهران ستنزف مالاً ودماً فيما تخفف أنقرة تدخلها في سورية ولا تصل الى الحياد بين معارضة مسلحة تتنفس من الحدود التركية ونظام سوري لا يرغب رجب طيب أردوغان وحزبه بالتعامل معه بل بمجرد وجوده.

&

هل نحن أمام تكرار لخطأ المعارضة السورية الأول حين اعتبرت المسلحين الإسلاميين لعبة للضغط على النظام بل إسقاطه لمصلحتها، حتى إذا تمكن الإسلاميون من الإمساك بأرض المعارضة تراجعت هذه الى منابر وهيئات ضعيفة الصلة بالواقع وفقدت بياناتها أي صدقية لدى جمهور المعارضة أو ما تبقى منه؟

&

هل نحن أمام الخطأ إياه، ولكن هذه المرة بأبعاد إقليمية معقّدة؟ إن سيطرة «داعش» تجعلها الضلع الثالث في العراق الشيعي- الكردي- السنّي. وهي، بإيديولوجيتها المتصلّبة، ستدفع إلى تقسيم موضوعي تقبله كثرة من الأكراد وقلة من الشيعة، فيما يصمت السنّة قهراً لضياع عراق كان درّة المشرق العربي وحصنه الحصين.

&

وعلى الضفة السورية من بادية الشام، ثمة مدن يحاول «داعش» اجتياحها لإكمال سيطرته على الجزيرة السورية حيث أهراء القمح وخزان القطن وأرض النفط. هناك تحتدم حروب «داعش» والمعارضة، ويهرب السكان الى أرض النظام أو بلاد الله الواسعة، وتشكّل الأحقاد العشائرية لعبة «داعش» الأثيرة لتعزيز سلطتها وتمكين سطوتها.

&

لقد وحّد «داعش» أرضاً سوريّة وعراقيةً وألغى الحدود الدولية. اللقمة أكبر من فم التنظيم، لكن إرجاع المارد إلى الفانوس سيتطلب جهداً يتجاوز إطلاقه، جهداً عجزت الولايات المتحدة عن مثيله في أفغانستان، وسوف يتولى المهمة شبه المستحيلة في مواجهة جيش «القاعدة» العراقي- الشامي أولئك المختلفون على العراق وسورية، حين يتفقون.
&