قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلي الحاج

تُدهش مسرحية يحيى جابر الجديدة "بيروت فوق الشجرة" اللاعبة على "تياترو فردان" الحديث، بنصها المتماسك يقفز بين مناطق المدينة، يتنقل بين تواريخها والحقبات منذ زمن الأتراك وعادات أهلها، من الخليط المتعدد في الحي وحساسيتهم بعضهم على بعض، آباء عرب وأرمن ومسلمين ومسيحيين.

تُدهش المسرحية ويذهل الممثل شبه الوحيد فيها زياد عيتاني، يملأ الخشبة راوياً حكواتياً راقصاً مغنياً غزير المواهب.

عرف يحيى جابر، الكاتب والشاعر والمخرج، أن يربط عمله المسرحي الجديد بإحكام من أوله إلى آخره، متفوقاً على ذاته في مسرحية سابقة "ضَرَبت" بحضورها واستمرارها سنة ونصف سنة تقريباً. "بيروت الطريق الجديدة" على مسرح "تياترو المدينة" كانت مدخلاً إلى مدينة أرحب وأوسع يعلّمنا جابر كيف نحبّها وكيف نحملها إلى حبّنا من خلال عاشق دون جوان نساء يتنقل بينهن وبين حكاياتهن وقصص حياتهن، ناقلاً سيرة مدينة من خلال مجموعة سير شخصية أولها وآخرها سيرة الراوي نفسه على الخشبة، تبدأ بذكرياته مع جدّته ذات الأصل التركي التي عرّفته صغيراً يمسك بيدها وتنورتها على نساء الحي والمنطقة. وتتناسل قصص ناس ومعها أغنيات ومقاطع أفلام قديمة، أبطال وبطلات سينما الأسود والأبيض في الحي على ألحان الأغنيات المصرية القديمة، عبد الوهاب وأسمهان وغيرهما، وكيف كان أهالي بيروت يخطّبون بناتهم وشبانهم عند البلوغ، لا أكثر، خلال صيفيات بحمدون وعاليه، لتدور الأعراس في بيروت.
قصص مدينة توسعت وتغيرت وأحياء كانت أراضي لناس وصارت على اسم فنادق ومجمعات وأناس آخرين. باع الملّاك القدامى في بيروت أراضيهم ولم ينتبهوا زمن الانتداب والاستقلال كما فعل ويفعل القرويون اليوم، وأحدهم زوج امرأة عشقها الراوي، باع ما فوقه وتحته وحتى حليّ الزوجة كي يلعب في "السبق"، فقتلته وبقيت في جنينتها حيث تعرف إليها العاشق، وتلتها عديدات غيرها.

يخبرنا أسرار حب النساء والمدينة، بالعطر والحلو والورد وترك الحرية للمرأة، لبيروت. حكايا عشق تتوالى وتمر كلها بزواج يليه طلاق وحب جديد. شخصيات تتميّز كأنها تعبر على مسرح كل واحدة بجوّها وعالمها، يبرع زياد عيتاني في بطولة المسرحية ومعه في الموسيقى والتمثيل جمال عبد الكريم، كأنه جمهوران ممثلون وممثلات في تقديمها: بنت المنطقة ثم بنت الأشرفية واللقاء معها على طريق الشام، والمعشوقات الأجنبية، المصرية، الخليجية، الفلسطينية. كل منهن حقبة من عمر بيروت وجزء منها باقٍ في آن.

يروي ويروي بمرح برقص وموسيقى وغناء، قصة مدينة دارت حياتها عند سنة الـ69 . سنة ذات رمزية لتاريخ لبنان الحديث مختلفة عن الشائع. 1969 كانت سنة انطلاقة "العمل الفدائي" القوية بعد "اتفاق القاهرة"، بعد النكسة، بعد انتصار "الحلف الثلاثي" انتخابياً على العهد الشهابي، وسنة حوادث أكواع الكحالة التي مهّدت للحرب اللبنانية الكبرى لاحقاً.
وضع يحيى جابر "بيروت فوق الشجرة" ولن تنزل. مسرحية ممتعة تستحق منزلتها العالية و"سوف تَضرب".