حسام عبد البصير

&&وكأنها معصوبة العينين تسير مصر نحو مستقبلها بتوجس مخيف، على أثر تردد لا تخطئه العين، يخيم على النظام في التعامل مع قضايا لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها سد النهضة الذي أصبح واقعاً، ارتكب فيه نظام مبارك جريمة مكتملة الأركان بتجاهله الأزمة منذ نشأتها.

ومن الملفات التي لا تنتظر التأجيل أيضاً، ملف المصالحة الذي عاد يفرض نفسه من جديد بدعوة من بعض أعوان معسكر 30 يونيو/حزيران، ومن الطبيعي أن تنتقل الحيرة التي تلوح في الأفق السياسي للصحف المصرية، التي لا تخرج عن الخط المرسوم لها سلفاً. بينما تتأرجح مصر هذه الأيام بين طرفين، كل منهما يسعى لجذبها إليه، على أساس أنه الأحق بها وبصناعة القرار فيها، طرف يراهن على أنه الأحق بقيادتها، وطرف موجود بالفعل ممسك بمقاليد الأمور، فيما تبدو الأغلبية عاجزة عن تأمل تلك اللحظة العصية عن التفسير، خاصة مع اقتراب الذكرى الخامسة لثورة يناير/كانون الثاني، التي أسفرت عن استنفار أمني يصل لحد الهلع.

وبينما يبدو الرئيس ممسكاً بمقاليد الأمور مراهناً بشعبية كبيرة، وإن كان خصومه يؤكدون تراجعها، يبدو فصيل من جماعات المعارضة، أغلبهم من الشباب، يرى أن جميع ما نادت به مصر غداة الخروج على فرعونها المستبد مبارك لم يتحقق، فشعار «عيش حرية عدالة اجتماعية» لم يتحول لواقع على الأرض، فالأموال المنهوبة من قبل أعوان مبارك لا زالت تنام بهدوء في البنوك السويسرية وغيرها المنتشرة في أوروبا والعالم، بينما غالبية المصريين لا زالت تتضرر جوعاً وبرداً، بل خوفاً من عودة الأيدي التي تبطش بالمعارضة بغير حساب. ومما اهتمت به الصحف المصرية على مدار اليومين الماضيين نشاط البرلمان والحروب التي بدأت تنشب على ضفافه، ومستجدات سد النهضة ولازالت المعارك ضد رئيس جهاز المحاسبات المطالبة بمحاكمته مشتعلة، بمباركة شبه نظامية. وفي ما يبدو أنَّه خطوة لإعادة العلاقات بين مصر وتركيا، وصل وفد أمني وسياسي مصري إلى أنقرة، لبدء محادثات مع الجانب التركي بوساطة سعودية، وهي الزيارة التي تأتي في سياق محاولات الرياض الحثيثة لتحقيق تقارب بين الجانبين، بهدف تفعيل التحالف الإسلامي، الذي أعلنت عنه السعودية مؤخرًا، وحل مشكلة المشاركة المصرية في القمة الإسلامية المزمع عقدها في أنقرة بعد ثلاثة أشهر وإلى التفاصيل.

الأفضل لهشام جنينة أن يقال أو يستقيل

البداية مع الحرب التي لازالت مشتعلة ضد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة، حيث يدعو مكرم محمد أحمد في «الأهرام» إلى إقالته أو أن يستقيل: «ما الذي يدفع موظفا كبيرا، يحصن القانون منصبه بما يجعله غير قابل للعزل، مسؤولا عن أكبر وأخطر جهاز رقابي في مصر، أن يرتكب أخطر عملية تضليل للرأي العام المصري، من خلال تلفيق متعمد لاتهامات غير صحيحة؟ يرتب ويجمع الأرقام أكثر من مرة وتحت مسميات عديدة ويرتكب كل ذلك عامدا متعمدا، كي يلفق للدولة والحكم اتهامات غير صحيحة، مفادها أن حجم الفساد في الدولة المصرية في عام واحد بلغ 600 مليار جنيه، لكنه يتراجع إلى الخلف عندما طلب رئيس الجمهورية تشكيل لجنة خبراء على مستوى عال.

والواضح من تقرير لجنة تقصي الحقائق التي خرجت بهذه الاستدلالات المهمة التي توجه اتهاما صريحا مباشرا للمستشار هشام جنينة، يستند إلى حيثيات صحيحة واضحة، تؤكد أن المستشار جنينة تعمد تضليل الرأي العام المصري، وأنه لم يفعل ذلك بصفته الشخصية، ولكن باسم أضخم جهاز رقابي في مصر، مفترض في تقاريره الصدق والشفافية وتدقيق الوقائع والاتهامات وتحقيق العدالة، يملك سلطات نافذة بغير حدود تسوغ عقوبات الحبس والسجن أمد الحياة والفصل والمصادرة والحراسة وتوجيه اتهامات مخلة بالشرف، لا يبرأ الإنسان من آثرها، تفرض على رئيس الجهاز الحيدة والشفافية والترفع عن المكائد الصغيرة. ومن ثم يصبح السؤال المهم، كما يشير الكاتب، ما الذي يكمن أن تفعله الدولة حيال المستشار جنينة، في ظل اتهامات كثيرة بأنه فعل ذلك عامدا، وفي توقيت محدد يسبق25 يناير/كانون الثاني المقبل، باعتباره أحد الخلايا النائمة لجماعة الإخوان المسلمين، كي يؤجج مشاعر الغضب لدى الرأي العام المصري؟ وهل تتم محاكمته أم يترك للبرلمان مهمة مساءلته؟».

جنينة بريء

أما جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» فيرى «أن الكشف عن تقرير الرقابة الإدارية الذي تم تسليمه لرئاسة الجمهورية وكان يحدد حجم الفساد في مصر، في قطاع نهب أراضي الدولة فقط، بأربعمئة وأربعين مليار جنيه، يعني أن الرقم الذي أعلنه المستشار جنينة بأن مجمل فاتورة الفساد تصل إلى ستمئة مليار جنيه هو رقم منطقي جدا، غير أن الأهم من ذلك، أن رئيس الرقابة الإدارية نفسه هو الذي كان يرأس لجنة تقصي الحقائق التي اتهمت جنينة بالتضليل، وأن تقارير جهازه كاذبة وغير دقيقة، بينما الهيئة التي يرأسها سبق وصدقت على كلام جنينه قبل أشهر قليلة، بل أعطت أرقاما ربما أضخم مما أعلنه جنينة نفسه، وهي مفارقة تستوجب بيانا واضحا من رئيس هيئة الرقابة الإدارية يفسر هذا التناقض في الموقف، وما إذا كان قد تم توظيف مشاركة الهيئة بصورة غير مشروعة للإطاحة برئيس جهاز سيادي مثل المركزي للمحاسبات. الصدمة ألجمت مافيا الفساد وفاجأتهم، فتراجعت الحملة الإجرامية نوعا ما، لكن المؤكد أنهم يرتبون أوراقهم الآن من أجل تفعيلها وتصعيدها وعدم ترك الفرصة، من دون الإجهاز على رمز مقاومة الفساد الأول في مصر الآن، هشام جنينة.

ووضح من «غياب» الرئيس عبد الفتاح السيسي عن المشهد، وتراخيه في حماية أهم جهاز رقابي في الدولة ورئيسه الذي يواجه حملة عاتية قذرة، بدا أنه رئيس حائر، وأن ملف الفساد أكبر وأخطر من أن يتعامل معه بالحسم الواجب، وهو ما يحير الناس، ويجعل الأمل في إنقاذ الوطن من أزماته يتراجع بل ويتلاشى، خاصة أن سياسة «التسول» من المال الخليجي ليست حلا».

رؤوس الفساد تنشط ضد جنينة

حصون الفساد المنيعة وقلاعه الكبرى وأباطرته في مصر أعلنوها صريحة حربا ضروسا على المستشار هشام جنينة، وهو ما يؤمن به محمد الشبراوي في «الشعب»: «البعض يرى أن ما يحدث هو ضمن مسرحية الإلهاء ولفت الأنظار، كما أن استمرارية هشام جنينة ضمن هذا النظام حتى الآن يضع علامات استفهام عديدة حول الرجل ومسار الأحداث. من جانبي كنت أعتبر تصريحات جنينة الدائمة عن الفساد تساهم في أضفاء نوع من شرعية الواقع على الفساد المتجذر في مصر، وتصب في دعم رأس النظام عبد الفتاح السيسي، خاصة أن جنينة وجهازه لم يتعرضوا لفساد الرئاسة بعد الانقلاب مطلقا ولا يستطيعون. والتصعيد الإعلامي الذي كان يصاحب دائما حديث جنينة عن الفساد كان يوظف من وجهة نظري في معركة تكسير العظام، وفي تقوية موقف السيسي مع أجنحة النظام الأخرى، ويصب في تلميعه بطريقة مباشرة وغير مباشرة. ويؤكد الكاتب أنه في النظم الفاسدة لا بد من وجود شخصيات كالمستشار جنينة وأجهزة تساهم في تخفيف الاحتقان وتنفس البالون حتى لا ينفجر. الفساد في مصر ماء الحياة بالنسبة للنظام، وعندما يقوم السيسي بتشكيل لجنة للنظر في ما صرح به رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة عن حجم الفساد أنه يقدر بـ600 مليار جنيه، فقد أكد السيسي عبر قراره هذا بما لا يدع مجالا للشك، من هو رأس الفساد ومن هم الرعاة الرسميون له في هذا البلد المنكوب. وبحسب الشبراوي ما يحدث ليس المقصود منه هشام جنينة في حد ذاته، ولكن المقصود هو إغلاق الباب نهائيا تجاه أي حديث عن الفساد، إلا في إطار الخطوط الحمراء المرسومة من النظام نفسه، وأنه لا مكان لمن لا يدخل الحظيرة بالكامل».

اختلاف سعر الجثة أمر مخجل

وإلى تزايد ضحايا قتلى حوادث الطرق، وهو الأمر الذي أسفر عن غضب سكينة فؤاد في «الأهرام»: «التسعيرة المؤسفة والمخجلة التي تدفع للمصابين، لماذا تختلف ما بين القاهرة والشرقية ـ في الأولى حصل المصاب على 5000 جنيه، وفي الشرقية 2000 جنيه؟! أما الموتى فحظوظهم أفضل 10000 جنيه لفقد الحياة!

طوال المحاولات اليائسة والبائسة والعاجزة عن إنقاذ السكان المدفونين أحياء تحت الأنقاض، توالت عبر الهواتف التي كانت مع أصحابها نداءات الاستغاثة، على أمل أن يجدوا من يستطيع أن ينتشلهم ويخرجهم من وسط الظلام، ومن تحت ركام الانهيار.. بأدوات بدائية وبألواح خشبية، حاول وفشل المواطنون.. ومتأخرة كالمعتاد وصلت أدوات الدفاع المدني. هل أدرك واحد من السادة المسؤولين الذين جاءوا يتبخترون في مواكبهم وسط حراسهم الخائفين عليهم من غضب الناس وصرخاتهم، هل أدرك واحد منهم معنى موت الأمل والرجاء والاطمئنان في الانتماء إلى مجتمع يستطيع أن يقدم لهم الإنقاذ في لحظات الخطر؟ هل أدركوا معنى تكرار دفن المواطنين أحياء وأن تظل معدات الأمن متواضعة وعاجزة؟ وهل نرد لهم أرواحهم بإحالة مسؤولي الحي بعد كل كارثة إلى النيابة؟ وكم مثلهم من القتلة الطلقاء الذين لم يجدوا عقوبات تردع وتخيف وتجعل من قتل يُقتل، إذا أثبتت مسؤوليتهم تحقيقات جادة وعاجلة وناجزة؟ لا أظن أن هناك من يختلف على أن إنجازا من أهم الإنجازات المنتظرة من المجلس النيابي صدور القوانين التي تحرر المصريين من سطوة وقبضة القادرين على أن يرتكبوا كل ما فوق وخارج القانون، ويقبضوا الملايين ثمنا لها ويظلوا أحرارا بلا حساب أو عقاب».

برلمان «عليّ الطلاق» يليق بماكينة قرارات الرئيس

من منا ينسى آخر برلمانات مبارك، محمد سعد عبد الحفيظ، تذكرها في «الشروق» قائلا: «كانت «مجموعة الستة» التي تضم رجل الحديد أحمد عز وعلي الدين هلال وحسام بدراوي ومحمد كمال وزكريا عزمي، فضلا عن «جيمي»، قد هندست العملية الانتخابية، حتى تفرز نوابا يزفون الوريث، وهو في طريقه إلى قصر العروبة، بعد معركة رئاسية وهمية كانت بعض الأجهزة قد رسمت خطواتها. شكل عز لجان المجلس ووضع على رأسها رجاله، بعدما أطاح بمن تبقى من الحرس القديم، وللمفارقة وضع رجل الحديد على رأس اللجنة الدينية السيد محمود الشريف، الذي انتخب وكيلا لبرلمان الثورة عن ائتلاف «دعم مصر».. «ياااااااه يا عبدالصمد.. أيام.. قول سبحان الله». سلم عز لكل رئيس لجنة أجندته التشريعية، وطلب منهم «سلقها» قبل انتهاء دور الانعقاد. يرى الكاتب تشابهاً بما جرى في نهايات زمن مبارك وما يجري في البرلمان الجديد، ماكينة السيسي التشريعية لم تتوقف حتى بعد اكتمال المجلس، وأصدرت أكثر من 300 قرار بقانون، وتصاعد الحديث عن أزمة المادة 156 التي تفرض عرض القوانين التي صدرت في غيبة البرلمان على المجلس ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوما من انعقاده «فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون».

تجاهل الرئيس حالة الضرورة التي فرضها «دستور النوايا الحسنة»، ووضع برلمان «أحلف.. على الطلاق ما أنا حالف»، في مأزق.

تلقى «السيرك النيابي» الإشارة ممن هندسوا العملية الانتخابية، وشكلوا لجانا أعلن نوابها أن مهامهم تمرير قوانين الرئيس والموافقة عليها قبل انتهاء المهلة الدستورية. في اليوم الأول لعمل اللجان، وخلال ساعتين فقط وافق اعضاء اللجنة التشريعية على 35 قانونا، وعلى رأسها قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية الماضية، الذي يضمن الاستقرار القانوني لمنصب الرئيس، إضافة إلى قوانين انتخابات البرلمان الثلاثة، التي تضمن استقرار مجلس «ساقطي الإملاء»، واقتدى نواب باقي اللجان بزملائهم في لجنة الفقهاء، حتى يتم الانتهاء من عملية «السلق»، قبل بداية الجلسة العامة المحدد لها الأحد. وفقا للمادة 101 من الدستور فإن مجلس النواب يتولى سلطة التشريع، وليس سلطة «سلق القوانين»، حتى لا تهتز مؤسسات الدولة، بفعل الإسراف في استخدام سلطة التشريع.

هندست مجموعة «الستة» برلمان «التوريث» ليخدم مشروع فرد فسقط.. فماذا ننتظر لـ«شادر بطيخ» أعلن نوابه بالإجماع عن تأييد سياسات الرئيسالحكيمة التي رسمت معالم الطريق».

نعيب نوابنا رغم أننا نشبههم

على الرغم من الهجوم الواسع على سلوك كثير من أعضاء البرلمان فقد عثرنا على من يدافع عنهم.. ومنهم كرم جبر في «اليوم السابع»، الذي يوضح ذلك قائلا: «لماذا نحن غاضبون من أعضاء مجلس النواب، رغم أن سلوكياتهم وتصرفاتهم، صورة طبق الأصل من سلوكيات وتصرفات أفراد الشعب، نلومهم لأنهم تحدثوا بالموبايلات في الجلسة، وما وجه الغرابة ومعظم الناس لا يحلو لهم استعمال الموبايل إلا وهم يقودون سياراتهم، وكذلك المارة وهم يعبرون الإشارات، لا يلتفتون إليك مهما نبهتهم بـ«الكلاكس»، وهم مستغرقون تماما في الموبايل ولا تعنيهم السيارات المسرعة. ونستهجن تكالب النواب أمام الكاميرات، واستخدام بعضهم إشارة «باي باي» لأهله وأصدقائه في البيت وعلى المقهى، فلماذا نلومهم والكبار والصغار في بلدي، لديهم حالة ضعف إنساني للشهرة والأضواء، فهى تفتح السكك المغلقة وتجلب السعادة، إذا قال لك مواطن بسيط «أنا شفت حضرتك امبارح في التلفزيون»، تنفرج أساريرك وتنتشي جوارحك.. ومن حق النواب أن يحصلوا كغيرهم على حقهم المشروع في الشهرة، و«اشمعنى» مصطفى بكري وخالد يوسف ولميس جابر، ولماذا لا يصبحون مثلهم؟ ولكن هذه السلبيات الكاريكاتيرية العابرة، يجب ألا تكون معاول لهدم البرلمان وإسقاط هيبة النواب، للأسباب التالية، التي يذكرها الكاتب، ومنها وجود البرلمان رغم بعض السلبيات أفضل ألف مرة من عدم وجوده، واستمراره أفضل من حله، حتى لا تعود البلاد إلى نقطة الصفر، فما لا يدرك كله لا يترك كله.. تعبنا انتخابات ولجانا وتصويتا، وهؤلاء هم الذين اختارهم الناخبون بكامل إرادتهم، وعلينا أن نرضى لأن المشوار طويل، وسيستمر خمس سنوات. ويتساءل جبر: لماذا نغفل التنوع والحضور المشرف، لكثير من النواب المحترمين، الذين كانوا قدوة ونموذجا يُحتذى؟».

الحرية لا تمنح بل تنتزع

الحديث عن غياب الحريات يتصاعد مع اقتراب الذكرى الخامسة لثورة يناير/كانون الثاني، وها هو السعيد الخميسي يؤكد في موقع «إخوان أون لاين» على: «أن هناك شعوبا تخلت عن حريتها طواعية مقابل لقمة العيش وكسرة الخبز. فلا هي نالت حريتها، ولا هي شبعت ونالت حقها في حياة حرة كريمة. فعاشت تلك الشعوب ردحا من الزمن تلحس التراب في حظيرة العبودية، تحت أقدام الطغاة المستبدين. لا يمكن لكسرة الخبز أن تكون بديلا عن الحرية، وإلا لعاشت البشرية عيشة حيوانية بهيمية غير إنسانية. فالأنعام تأكل وتشرب وتملأ بطونها غير أنها ليست حرة. فهي تعيش تحت لهيب الكرباج ونار السياط. يقول الشاعر: الذليل بغير قيد مقيد.. كالعبد إن لم يسد بحث له عن سيد. فالذليل قيد نفسه وإن لم يقيده أحد، لأنه تعود أن يعيش عبدا مملوكا لسيده… ويرى الكاتب أن العبودية ليست قدرا مقدرا على الشعوب. كما أنها ليست مصيرها المحتوم التي يجب أن تؤمن به وترضخ له، لأن الإسلام إنما جاء لمحو آثار الجاهلية الأولى، وهل هناك جاهلية أشد وأكبر من العبودية لغير الله..؟».

التراث إنتاج إنساني يقبل النقد

الدفاع عن الأزهر ضد حملات تشويهه أهم ما تناولته الصحف المصرية أمس الأول، فتحت عنوان «بيان للناس» وبحسب «المصري اليوم» وصف بيان عن مشيخة الأزهر، «أن منتقدي بعض المناهج الأزهرية يمارسون طعنا فجاً في ثوابت التراث ومذهب أهل السنة والجماعة، بالدعوى إلى إحراق هذا التراث وإهانة الأئمة والأعلام العدول»، واتهم بيان الهيئة وسائل إعلام لم يسمها، وبعض المثقفين والسياسيين بـ«شن حملة ظالمة» ضد الأزهر. وبينما شددت هيئة العلماء في هجومها على منتقدى بعض الكتب والآراء الأزهرية، رفض مثقفون ومبدعون وسياسيون، لغة البيان، وقارنوا بينها وبين «صكوك الغفران» التي كانت تصدر في العصور الوسطى في أوروبا، وطالبوا بفتح باب الاجتهاد وتقبل النقد، منددين بالحديث عن «ثوابت التراث»، مؤكدين أن التراث إنتاج إنساني يقبل النقد. فيما شدد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على أن المشيخة مضى عليها أكثر من 1060 عامًا، حافظت خلالها على وسطية الإسلام والمسلمين التي تعني عدم التعصب لمنهج أو مذهب معين، مع احترام مذاهب وأديان الآخرين. وقال الطيب: «الأزهر نأى بنفسه طوال تاريخه عن المهاترات المذهبية تمامًا، وكتاب الثقافة الإسلامية المقرر على الصف الثالث الإعدادي وصفوف المرحلة الثانوية يلخص كل هذه المعاني الإنسانية السامية التي أقرها الإسلام، ونحن نربي عليها طلابنا، بل أن المنهج الأزهري منهج سلمي يحافظ على إشاعة السلم بين المسلمين، وما بينهم وبين غيرهم، سواء أكان هذا الغير متدينًا أم لا». وأضاف: «منهج الأزهر تعددي، يجمع كل المذاهب الإسلامية ويقف بها تحت لافتة الإسلام، لا يُكفر ولا يُقصي أيّ مذهب آخر، ولا يُفسقه أو يُبدّعه».

المثقفون يشعلون النار

ونبقى مع الحرب على الأزهر حيث اعتبر الكاتب صلاح عيسى في «المصري اليوم»، بيان الأزهر- الذي قالت فيه المشيخة إن الأزهر يتعرض لـ«حملة شرسة، تجاوزت تحميله ظلمًا مسؤولية بروز ظاهرة العنف العشوائي»- يشكل تعديلا في منهجه. وقال: «يبدو أن الاتجاه الجديد في الأزهر قد تفوق على الاتجاه القديم المعتاد، الذي انتهى إلى إصدار بيان صحافي حول رفضه كلام سيد القمني، بدلا من رفع دعوى قضائية ضده، كما أُثير خلال الأيام الماضية، لأنه لا يجوز أن يتم رفع دعوى قضائية ضد كل مَن يختلف مع الأزهر».

ومن جانبه رفض رفعت السعيد، رئيس حزب التجمع السابق، بحسب «المصري اليوم» أيضا، بيان هيئة كبار العلماء الذي تضمن «الرد على الحملات المغرضة ضد الإسلام وهدم ثوابته»، قائلا: «إنه ليس من اللائق أن تصدر الهيئة مثل هذا البيان، وتغلق الباب أمام التجديد، وإن الحل ليس مهاجمة الاجتهاد والقائمين عليه، وإن عقول بعض القائمين على المؤسسات الدينية في مصر، على رأسها الأزهر، في حاجة إلى التغيير». فيما قال ناجح إبراهيم، المفكر الإسلامي، في «المصري اليوم» إن «مؤسسة الأزهر فاض بها الكيل بعد الهجوم المنظم ضدها من كل صوب، مشيراً إلى أن هناك بعض الفضائيات والصحف تهاجم الدين الإسلامي وأهل السنة، وتساءل لماذا لا نرى أحداً يهاجم المذهب الشيعي وما به من سلبيات، فلا يجرؤ أحد أن يهاجمهم».

لماذا يريدون الاحتشاد في يناير؟

قنوات الاتصال بين الدولة والشباب ليست على ما يرام.. بعضها ليس على الموجة نفسها، وبعضها مصاب بجلطات، كما يشير ياسر رزق رئيس تحرير «الأخبار»: «ليس كل الذين يريدون النزول في 25 يناير/كانون الثاني المقبل، إخواناً، أو فوضويين، أو ممولين من الخارج. التعميم خطأ، وتقدير الموقف على أساسه خطيئة. بعض الذين يتحدثون عن النزول، شباب ثاروا علي نظام التوريث، وثاروا على حكم المرشد، ومنهم من خرج يرفع صور الفريق أول عبدالفتاح السيسي، ويطالبه بالترشح لرئاسة الجمهورية. هناك من يستهين بدعاوى النزول ويقسم أن أحداً لن يستجيب، وهناك من يرتعد لها ويهول… لست أحتاج إلى استطلاع رأي، لأقول إن الغالبية الكاسحة من الشعب ترفض تلك الدعاوى، وتعتبرها معاول تخريب في بنيان وطن يتعافى. ربما يصلح الكارت الأصفر في زجر دعاة الفوضى والمتمولين، وقد يجدي احمرار العين والتلويح بالهراوة في ردع الإخوان. لكن الشريحة النقية من الشباب المحتقن أو المحبط ابن ثورتي يناير ويونيو/حزيران لا تستحق منا إلا الحوار المقنع والمكاشفة… ويؤكد الكاتب أن علينا أن نعرف لماذا يتحدث عن النزول، شباب ما زال يرى أن السيسي هو الأصلح. مضيفاً دارت بيني وبين نماذج من هؤلاء الشباب حوارات، كنت فيها في جانب الشارح حيناً والمفند حيناً والمدافع حيناً والمتفق معهم حيناً، والمنتقد لهم حيناً. وفي كل الأحوال لم أفقد إعجابي بهم، ولا إيماني بأنهم أفضل من الأجيال التي سبقتهم، جرأة وإقداماً ورغبة حقيقية في التغيير».

الجهاز الرئاسي بحاجة للإصلاح

ومن معارك أمس الصحافية تلك التي شنها عمار علي حسن في «الوطن» ضد المجلس الرئاسي قائلا: «يحتاج جهاز الرئاسة إلى إصلاح يساعده على اتخاذ القرار الرشيد، وأن الحاجة إلى إصلاح الهياكل الحكومية في مصر، بصفة عامة، هي حاجة يحس بها المواطنون وأدركتها كل النظم التي تعاقبت على مصر في القرن العشرين. فقد ظهرت هذه الدعوة في ظل النظام الملكي، وتصاعدت بعد ثورة يوليو/تموز، وقيل وقتها إن الجهاز الحكومي لا يتكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي كانت تعرفها البلاد. وتجددت هذه الدعوة بعد الأخذ بسياسات الانفتاح الاقتصادي. وقيل أيضاً إن هذه السياسات لا تحدث آثارها الإيجابية بسبب عدم تكيف الأجهزة الحكومية معها، بل مقاومتها أو مقاومة بعضها لها في نظر بعض المعلقين. ومن بين هذه الأجهزة التي كان الحديث يدور حول إصلاحها جهاز الرئاسة، أو ما اصطلح على تسميته في السنوات الأخيرة بـ«مؤسسة الرئاسة»، وقد استمر العمل على قمة الدولة المصرية حتى بداية الثمانينيات بالتقاليد الموروثة عن عهد الرئيس جمال عبدالناصر، التي تتمثل في وجود نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية. وقد تولى حسني مبارك هذا المنصب في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، فانقطع هذا التقليد، وتراجع بمرور الوقت دور الرئيس لحساب الدائرة الضيفة المحيطة به، وكان رئيس ديوان الرئاسة، الدكتور زكريا عزمي، متحكماً في جزء كبير من صناعة القرار، وكانت مصالحه وارتباطاته وتحيزاته ومزاجه هو الذي يتحكم في ما يعرضه على الرئيس، الذي خلعته ثورة يناير/كانون الثاني، وما يحجبه عنه. ويؤكد الكاتب على أنه كان من المفروض أن يتم الالتفات إلى ضرورة إصلاح جهاز الرئاسة، بحيث يتحول إلى مؤسسة حقيقية، لكن شيئاً من هذا لم يحدث أيام حكم المجلس العسكري، ولا جماعة الإخوان، وهذا الوضع لا يزال قائماً إلى الآن».

القناة في خطر

هذا ما يؤكده البدري فرغلي في «المصري اليوم» محذراً من أن قناة السويس تتعرض لجريمة بشعة.. ترتكب ضد الإيرادات ومكانتها الدولية. في سبتمبر/أيلول من العام الماضي إيرادات قناة السويس كانت أعلى من سبتمبر هذا العام بقيمة 48 مليون دولار، رغم وجود قناة السويس الجديدة.. كان يجب أن تصبح الإيرادات محققة زيادة وليس العكس. كانت المفاجأة مذهلة عندما أعلنت هيئة قناة السويس، من خلال النشرات الدورية، أن إيرادات قناة السويس قد انخفضت حتى نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أي خلال عام، إلى 408 ملايين دولار.. كيف يمكن أن تنخفض إيرادات القناة رغم ما حدث لها من تطور كبير وقياسي وإنجاز تاريخي؟ هل بعد كل هذا تنخفض الإيرادات؟ إن الحقيقة واضحة.. هناك مؤامرة دولية تتم الآن حول مكانة القناة العالمية.. بل إن المؤامرة تتجه إلى إلغاء أهمية قناة السويس الدولية. إن العالم كله يعلم، حتى تلاميذ المدارس، أن قناة السويس هي الشريان المائي بين البحرين المتوسط والأحمر وبالعكس، حيث تتم العلاقة بين قارات العالم! لكن ما يحدث الآن هو قرصنة واضحة المعالم تكشفها الأرقام والمواقف.. إن ميناء شرق التفريعة في بورسعيد وميناء العين السخنة في البحر الأحمر أصبحا يمثلان القناة البرية الجديدة، بديلاً عن قناة السويس البحرية، وأصبحت الطرق البرية هي البديل للممر المائي. إن البواخر الآتية من أوروبا أصبحت تفرغ حمولتها من الحاويات في شرق التفريعة.. ثم تعود البواخر مرة أخرى إلى أوروبا. يتم تحميل الحاويات على وسائل النقل البري لتتجه إلى العين السخنة في البحر الأحمر.. إنها البواخر التي كانت تعبر قناة السويس.. كنا نحصل رسوم القناة عن كل باخرة.. ونحصِّـل أيضاً رسوماً على الحمولة نفسها، وبما أن السفن لم تعبر القناة البحرية وعادت مرة أخرى من حيث أتت.. نكون بذلك فقدنا رسوم العبور للبواخر والبضائع! لقد أصبحت الطرق البرية مشانق لقناة السويس البحرية، هذا ما تؤكده إيرادات القناة المنخفضة.. لا يستطيع أحد أن يكذبنا.. هناك النشرات الدولية الصادرة من هيئة قناة السويس نفسها، تؤكد صحة ما نقول».

رحيل ملياردير الغلابة

عن رجل يشبه مؤسسة خيرية وأهلية متكاملة، لا يعرفه الإعلام رحل أخيراً، يحدثنا أكرم القصاص في «اليوم السابع» عنه قائلا: «المهندس صلاح عطية رحـــل الأسبوع الماضى ومشي في جنازته قرابة نصف مليون شخص، رجل خصص أرباحه الضخمة لمن حوله، فعاش في قلوب الناس.

المهندس صلاح عطية رحل عن 70 عاما وترك وراءه مئات المشروعات الخيرية، وقضى عمــــره في خدمة الناس، وتخطـــت أعماله قريته «تفهنا الأشراف»، مركز ميت غمر دقهلية، إلى القــــرى والمدن، تعليميا وإنسانيا وصحيا، وأطلق عليه الناس «ملــــياردير الغلابة». فقد أنفق عشرات الملايين على إقامة مدارس للبنين والبــــنات، وكليات وحضانات وبيوت للطلبة والطالبات ومساجد ومستوصـــفات، فضلا عن رعاية أسر.

وسعى ألا يكون هناك فقير في قريته، وتحول إلى القرى المجاورة. المهندس صلاح عطية – مهندس زراعي بدأ حياته فقيرا، وبدأ مشواره الخيري منذ أن تخرج وعمل في مشروع دواجن، واتفق مع شركائه على تخصيص ٪10 من الأرباح للأعمال الخيرية، ضاعفها كل عام. ويروي شركاؤه أنهم بدأوا عملهم تسعة شركاء، وأنه قال لهم الشريك العاشر هو الله «سنتاجر مع الله». توسعت مشروعاته، ومع كل اتساع يضاعف من الأموال التي يخصصها لأعمال الخير.

من أشهر أعماله إقامة معهد ديني ابتدائي للبنين، ومعهد للبنات، ثم معهد إعدادي للبنين، وآخر للبنات، ثم معهد ثانوي للبنين، ومثله للبنات، وقرر إنشاء كليات في القرية، وواجه اعتراضا لعدم وجود محطة قطار ومواصلات عامة، فبدأ في إقامة محطة قطار في قريته، وسقط الاعتراض، لينشئ أول كلية في قرية صغيرة أصبحت كليتين وثلاثا وأربعا، وبيتا للطالبات المغتربات يسع 600 طالبة، وآخر للطلاب المغتربين يسع 1000 طالب، بل وفر تذاكر مجانية للطلاب والطالبات. لم يتبق فقير في قريته، ونقل التجربة إلى القرى المجاورة خرج في جنازته أكثر من نصف مليون مواطن من قريته والقرى والمدن المجاورة».

&