ابراهيم بن عبدالرحمن التركي

بات مصطلح «حوار الحضارات» متداولاً بين النخب والعوام منذ أن تبنته الأمم المتحدة عام 2001م، فلا يحتاج إلى تعريف بمقدار حاجته إلى تجديد رؤيته ومعرفة أسباب بطء حراكه بالرغم من أنه لا يدعو إلى تمييعٍ أو استلاب، بل إلى فهمٍ وتفاهم، بعيدًا عمن ألبسوه شكلاً مختلفًا، ومن حكموا بوفاته كما صنع (فرانسيس فوكوياما) الذي حكم - في كتابه: (نهاية التاريخ - 1992 م) بوفاة النظم الشمولية وانتصار الغرب الديموقراطي، وبعده بعام 1993م أعلن صامويل هنتنجتون نظريته حول «صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي»، مهاجمًا الحضارات الأخرى ومشددًا على مقاومة الحضارتين الإسلامية والصينية. وفي المقابل لا يبدو مصطلحُ «المضادات الفكرية» ذائعًا في الثقافة العربية المعاصرة، وهو المعادل للمصطلح الإنجليزي، Anti-Intellectualism، مما يجعله قابلاً للترجمة بأكثر من صيغةٍ، كالضديات الفكرية أو الحالة غير الفكرية أو المضادات الفكرية، وهو ما اختاره صاحبكم كي يعبر عن فهمه لهذه المناوأةِ التي تواجه الثقافة بمفهومها العام كما تعيق الحوار بين المختلفين بصورة أخص؛ فالثقافة هي الحالة التي يبلغها الإنسان المتعلم حين يصير قادرًا على المحاكمة والحكم والحوار والتحليل والتعليل والتدليل، مستبعدًا التعريف القديم المتمحور حول حفظ المعلومات واستدعائها وتنوعها؛ فقد بات مثل هذا النوع من المثقفين غيرَ مميزين بعدما حلت مكائن البحث الآلية السريعة محلهم، ولم تعد المعلومة المجردة هدفًا بذاتها، كما أن حوار الحضارات يعي - في أيسر متطلباته - منع التصادم وضمان التعايش السلمي بين الشعوب المختلفة والمتخالفة.

وباختصار غير مخل، فإن المضادات الفكرية تعني الوقوف في مواجهة الفكر الجاد المنتج محليًّا أو عولميًا، وعدم الثقة بالمفكرين وملاحقة نتاجهم ولمز المنظومة العلمية والفلسفية والأدبية التي تجمعهم، وله سياقات مشابهة في عدد من المصادر الأجنبية، ومن أبرز من بحث فيه «ريتشارد هوفستدلر» في كتابه (مضادات الثقافة في الحياة الأميركية). لكن الباحث لا يرى أهمية الدخول في تفاصيلها لأن محركات المضادات لديهم مختلفة عن تلك الموجودة لدينا لتداخلها مع القضايا السياسية والاقتصادية الأميركية، وإن ظل مدار التعريف لديهم في نطاق تقليل مستوى القيم المعرفية وتجاهل أهمية المفكرين.

ويمكن الاتفاق على تعريفٍ ميسرٍ لما نعنيه بالمضادات الفكرية في امتلاء السطح وفراغ العمق بما يعنيه ذلك من خواءٍ معرفي واستلاب ذهني وتردد في اتخاذ المواقف الصحيحة من الشخوص والنصوص والثقافات الوافدة والقضايا المفصلية التي يمر بها الوطن والأمة، ويمكن القول إن سقوط النخب أو تضاؤل دورها أحد آثار المضادات في زمن الإعلام الرقمي المسيطر ولا ريب أن الحوار الحضاري سيزهو حين يغترف من عمق الثقافة لا من هوامشها؛ إذ لا ضير ولا ضرر من الحوار مع من يثق بمدركاته ومخرجاته، أما من يظن كل صيحة عليه فسيتمترس خلف أصوات التعبئة ضد الآخر بوصفه خطرًا ثقافيًا لا يقل عن الخطر التوسعي الاستعماري..

الإقصاء مضادًا فكريّاً

في كتابه (سياف الزهور - المدى - 2001م – ص239-243) تحدث محمد الماغوط في حكاية عنونها: رجال المرحلة عن الرجل الكبير الذي جاءه سكرتيره عارضًا عليه جدول مقابلاته؛ فابتدأ بوفد من شعراء الحداثة فسأل: هل معهم مترجم؟ أجاب: لا أظن، تلاهم وفد من كتاب القصة القصيرة جدًا «الذين يتجاوز طول أسمائهم قصصهم» كما وصفهم فاستفهم منه: ماذا يريدون؟ قال: إنهم أنفسَهم لا يعرفون! فطلب منه تصريفهم، وبعدهم وفد من المطربين الملتزمين، قال: ماذا يريدون؟ أجاب السكرتير إنهم في ضائقة مالية بعد تحرير الجنوب ويريدون جنوبًا آخر محتلاً، فطلب منه إحالتهم إلى وزراء الدفاع العرب، وتوالت الوفود التي كان يعتذر عن عدم استقبالهم؛ فالسينمائيون لأن المنطقة تشهد فيلمًا أميركيًا طويلاً، والإسلامويون لأنه مسافر لأداء العمرة، والكنسيون حيث هو يصطاف في دير، واليهود لأن اليوم سبت، ووفد من منظمة الطفولة لأنه منشغل بالرسوم المتحركة، وكذا صنع مع وفود الشعوب القادمة من الهند وباكستان والعراق واليابان والكويت وإيران والموسيقيين العالميين والرياضيين والنساء والطلاب، والخلاصة الاعتذار من الجميع أو تهميشهم اقتناعًا بعدم جدوى الحديث معهم.

يختلط الآيديولوجي مع السياسي مع الثقافوي في حكاية الماغوط الرمزية لتشير إلى عبث التنظيمات والمنظمات في نظره، وهذا ما دفعه إلى الرغبة في النأي عن مقابلتهم وسماع تنظيراتهم، وهذا إقصاء داخلي يتجاور مع الإقصاء الخارجي، ويلاحظ أنه لا يحمل بصمة الفكر المتشدد كما يوصم من مناوئيه بل من الفكر الليبرالي الذي لا يأذن إلا لمن يرتضيه؛ فهل سيخضع للحوار الحضاري لمجرد استيراده أم سيطبق عليه معايير مشابهة كي يصفو له الجو ويختلي بالتفرد والهيمنة؟ وقبله قرر «أنطون سعادة» زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي (قتل عام 1949م) ألا مكان ليوسف الخال وفايز صايغ وجمع من المثقفين لدى الحزب وكانوا من أعضائه، وبرر ذلك بأن معارفهم المجردة داعية فرقة وهو داعية وحدة، وهم بوهيميون تسيرهم أهواؤهم وهو ملتزم بقضية حوكم من أجلها محاكمة صورية لم تتجاوز ساعةً واحدةً انتهت بإعدامه؛ فهل نطمع بحوار حضاري إذ ننشغل بالتصنيف الداخلي؟

سلطة العامة مضادًا فكريّاً

الصوتُ يُصمُّ إن لم يبلغ غايته، والصوتية الثقافية إحدى مضادات الثقافة في زمننا؛ فما عاد للمثقفين وهجُهم ولا لتآليفهم حضورُها؛ فانشغل العامة بسماع أصواتهم عبر وسائط المعلومات والتواصل التي جعلت الجميع كتبةً دون قارئين، وحين يرون رفض المكون الداخلي فإن الوثوق بالوافد الخارجي سيكون ضعيفًا، وسيعلو جزم التحذير على منطقية التبرير هنا تتمثل حالة صادمة من مضادات الثقافة حين تغرق الواجهة بالأسماء والعناوين وتكاد الأعماق تخلو من المثقفين الذين يقودون التغيير؛ فنسمع أمنيات حول حوار الحضارات نستعيد بها بيت لميعة عباس عمارة الذي لخص ما صاغه «غوستاف فلوبير» في رواية «مدام بوفاري» حول معاناة البطلة: المرأة المشتهاة المستهام بها تُهوى، يُجن بها.. لكن على الكتبِ.

فواصل 69-70

وبذا تتجلى الحالة الثقافية وسط مضاداتها، وهو ما يجعلنا نقف أمام نمطين من تحليل هذه الظواهر، وهما: التبرير الآلي Instrument Reason

Critical Reason والتبرير النقدي؛ ففي الأول مباشرة وذاتية، وفي الثاني عمق وموضوعية، ومن ثم فإن الشارع متجزئٌ بين من تحركه العاطفة ومن يسكنه العقل، ولا نتردد في إدراك أن الصاخبين أعلى صوتًا وأرفع صيتًا؛ وبذا يتدنى الإقناع بالحوار الحضاري إلى أقل درجاته.

فواصل ص 81

القيم والمضادات الثقافية

عدَّ أفلاطون الفضائل أربعًا: المعرفة والشجاعة والعفة والعدل، كما وسم الإسلام المنافقين بالكذب والإخلاف والخيانة والفجور في الخصومة، وحينما تعارض النخب المثقفة فضائل أفلاطون أو ترتكب موجبات النفاق (والمحددان هنا شموليان كي لا تُقرأ النظرية بمستوىً ثيوقراطي أو انسلاخي) فإن النخب المثقفة تحتاج إلى أن تراجع أدوارها وسلوكها وفقًا لهذه المعايير، وألا نعود إلى وصية ذويد أو دويد بن نهد بن زيد القضاعي الذي يروى أنه أوصى بنيه بالناس شرًا؛ «لا ترحموا لهم عبرة ولا تُقيلوا لهم عثرة، قصروا الأعنة وطولوا الأسنة؛ فالمرء يعجز لا المحالة - الحيلة - والحياة بالجَد لا بالكد...»

يبدو هذا الرجل أسطوريًا أو خرافيًّا ولكننا لو أعدنا قراءة وصاياه في نفي الرحمة وعدم إقالة العثرة وشن الحروب «المادية والمعنوية» والتعامل بالتحايل واعتماد الحظ والتقاصر عن وأهداف الفعل الثقافي وخصائص المثقفين الحقيقيين القادرين على صنع حوارات وطنية وحضارية تؤمن للأمة طرقًا للتفاعل لا الانفعال وللتكامل دون التشظي ولمعانقة الآخر قامة وقيمة تعلن في أول مبادئها الثقة بالنفس وعدم الخوف من الآخر.

الخاتمة

ينمو الحوار الحضاري حين يزول الشك في النوايا وتتوارى الشكوى من التقارب دون أن نحمِّل اتجاهًا واحدًا مسؤولية إخفاقه أو تعطيله؛ فكما يُنعى على جانب بعض الإسلامويين سلبيتهم من الحوار فإن بعض الغربيين ليسوا أقلَّ سلبيةً، كما أن الإقصاء الذي يمارسه المثقفون الآخرون المناوئون للإسلامويين موقف سلبي مماثل، عدا تمكين العامة من سلطة توجيه الحوار وكذا عرقلته، وهو ما يعني ضرورة التفكير في كيفية تحجيم المضادات الفكرية كي لا تقود المشهد الحواري داخل المجتمع الواحد ومع الآخر.

* ورقة قدمت بالندوة العلمية التي أقامتها جامعة الملك خالد، بأبها، تحت عنوان: «دور الجامعات في تعزيز حوار الحضارات»