: آخر تحديث

أهمية عام 2016 لاتفاق باريس لتغير المناخ

نعمت أبو الصوف

في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2015 وخلال مؤتمر الأطراف الـ21 تم التوقيع على اتفاقية بشأن تغير المناخ، تعرف بـ"اتفاق باريس لتغير المناخ". وقد التزمت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بموجب هذا الاتفاق بوضع سياسات استراتيجية وطنية تهدف إلى تثبيت تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي عند مستويات تحول دون إلحاق الضرر بالنظام المناخي العالمي. في الشهور التي تلت الاتفاق، اعتقد كثيرون أن قضية المناخ تراجعت إلى أسفل جدول أعمال صناع القرار. لكن في الحقيقة، لضمان دخول المعاهدة حيز التنفيذ القانوني المقرر في عام 2021، كان لا بد من التوقيع ومن ثم المصادقة عليها من قبل الدول الأعضاء. وقد استغرق إتمام هذا العمل معظم عام 2016.

في المرتبة الأولى يأتي التوقيع على الاتفاقية. خلال مؤتمر للأمم المتحدة عقد في شهر نيسان (أبريل)، وضع قادة من 175 دولة أسماءهم على الاتفاقية. وقد ارتفع العدد منذ ذلك الحين إلى 197. التصديق عليها كان الأولوية التالية. حيث إن اتفاق باريس يصبح نافذ المفعول قانونيا بعد 30 يوما من تصديق ما لا يقل عن 55 دولة عليه تمثل 55 في المائة من الانبعاثات العالمية، على الرغم من أن أحكامه تصبح فقط ملزمة اعتبارا من عام 2020، عند انتهاء صلاحية الفترة الثانية لبروتوكول كيوتو. تم تخطي هذه العتبة في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) – عندما صادقت على الاتفاقية 86 من الدول الأعضاء (أو الأطراف، في لغة الأمم المتحدة). وهذا يعني أن المعاهدة دخلت حيز التنفيذ في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، في وقت انعقاد مؤتمر الأطراف الـ22 نفسه في مراكش في المغرب. كل هذا كان بالغ الأهمية – وهو ما جعل عام 2016 بالغ الأهمية بالنسبة لقضية تغير المناخ.

على الرغم من عدم تراجع مستوى الانبعاثات، ولكن بفضل الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، التوسع الاقتصادي العالمي لم يسهم في زيادتها. حيث إن انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون العالمية كانت ثابتة للعام الثالث على التوالي، عند 32.1 مليار طن في عام 2015، على الرغم من النمو السنوي في توليد الكهرباء والاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المائة، وفقا لوكالة الطاقة الدولية. الأهم من ذلك، أن أكثر من 90 في المائة من محطات توليد الطاقة الجديدة في عام 2015 جاءت من مصادر خالية من الكربون.

في الصين مثلاً، انخفضت الانبعاثات بسبب تراجع حصة الفحم في إنتاج الطاقة الكهربائية إلى أقل من 70 في المائة، وهذا يمثل انخفاضا قدره أكثر من 10 في المائة منذ عام 2011، في حين ارتفعت حصة الطاقة المتجددة من إجمالي طاقات توليد الكهرباء من 19 إلى 28 في المائة خلال الفترة نفسها. في حين شهدت الولايات المتحدة تراجعا في الانبعاثات نتيجة تقلص طاقات التوليد بالفحم بفضل ارتفاع طاقات التوليد بالغاز، وفقا لوكالة الطاقة الدولية. هذا الانخفاض تم تعويضه بالزيادات في آسيا وأوروبا.

في عام 2016، قام عديد من الدول بخطوات لتلبية تعهدات اتفاقية باريس، خاصة في بدء تنفيذ تداول الانبعاثات. على سبيل المثال، وقعت المكسيك والولايات المتحدة وكندا اتفاقا في شهر أيلول (سبتمبر) تعهدت فيه بالعمل معا لإنشاء أنظمة تداول من هذا القبيل. وقد كانت المكسيك تدرس هذا الموضوع منذ فترة، كما أن عديدا من المقاطعات الكندية والولايات الأمريكية تشارك بالفعل في أسواق الكربون.

واستمرت الصين في وضع خطط لسوق الكربون على الصعيد المحلي، التي ستتجاوز الاتحاد الأوروبي كأكبر سوق عالمية عندما تبدأ العمل في العام المقبل. وتستعد تايوان أيضا لبدء تداول الكربون في ظل نظام جديد، في حين استمرت نيوزيلندا في العمل على تطوير أسواق الانبعاثات المحلية.

ولم يكن التقدم في أسواق الكربون موحدا. في أمريكا، مقترح خطة الطاقة النظيفة للرئيس باراك أوباما، يعطي الولايات حرية الاختيار بين وضع قوانين على الانبعاثات أو اتبعاع أنظمة السوق للحد منها، وقد استغرق هذا معظم عام 2016 في محاولة التغلب على التحديات القانونية. وفي شهر أيلول (سبتمبر)، بدأت محكمة الاستئناف في تلقي الطعون. في شمال شرق الولايات المتحدة، كافحت مبادرة الغازات الدفيئة الإقليمية – وهو نظام مقايضة الانبعاثات بين تسع ولايات – للتوصل إلى اتفاق على أهداف جديدة أكثر صرامة لخفض الانبعاثات. على الجانب الآخر من الولايات المتحدة، واجهت سوق الكربون في ولاية كاليفورنيا تحديا قانونيا الذي يمكن، حال نجاحه، في جعل تصاريح الانبعاثات لا قيمة لها. لكن الولاية مضت قدما وأقرت تشريعات من شأنها تمديد العمل بنظام السوق بعد عام 2020.

في أوروبا، لم تتوافق الدول الأعضاء على مراجعة سوق انبعاثات الاتحاد للفترة من 2021 إلى 2030. استمرار وفرة معروض السماحات أدت إلى تراجع أسعار الكربون في بداية العام. ومن المفارقات أن مصادر الطاقة المتجددة كانت جزءا من المشكلة. عندما بدأت هذه المصادر تحل محل الفحم في مجال توليد الطاقة الكهربائية، تراجع الطلب على تراخيص الانبعاثات. تراجع أسعار الغاز، أثر أيضاُ في الفحم، وكان له التأثير نفسه في التراخيص. فقط بحلول عام 2019، من الممكن أن تتخذ تدابير لإصلاح هذا الوضع الشاذ عن طريق تخفيض عدد التصاريح الممنوحة.

جميع هذه التحديات هي تفاصيل يمكن معالجتها مع الوقت، ولكن الشيء المؤكد هو أنه في عام 2016 بدأ مشوار تنفيذ اتفاقية باريس المناخية، وبدأت الأمور تتحرك. وفي نهاية المطاف بدأ العالم في التحرك بنوع من الجدية حول قضية المناخ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد