فاتح عبد السلام


منذ أن صوّت البريطانيون لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي ، ونحن نسمع كل مَن له مشروع في رأسه ،أو ربما موال أو أغنية أو بستة أو نشيد ، وهو يطلق ما في رأسه، سواء كان الأمر محسوباً أو مغامرة.
في العراق وسوريا من السهل اطلاق دعوات نحو مشاريع الدول محتملة الانبثاق. لكن الذي يدور أحياناً هو أسئلة حول مصير جامعة الدول العربية، وهل تفيد دولة ما من الخروج من هذه الجامعة أكثر من البقاء فيها.
الفرق بين كيانين ،أوروبي يمثله الاتحاد ، وعربي تمثله الجامعة ، كالفرق مابين الثرى والثريا. أوروبا لها سوق مشتركة للقارة تنهض باقتصاديات الغني والفقير من اعضائها في تلاحم كبير ، من دون فرض ارادة دولة على أخرى . ونراهم يقفون مع اليونان في نكبتها المالية كما يقفون مع اسبانيا في أزمتها ايضاً. وكانت اوروبا التي يتلاحم معها حلف شمال الاطلسي كقوة عسكرية جبارة، تتصرف على وفق نظرة استراتيجية لبناء المستقبل ،فهي تعمل من اجل ترسيخ هذا السلام الذي تنعم فيه وعينها على باب الوحدة العسكرية اذا تطلب الأمر.
كما انها انتجت عملتها الموحدة اليورو ، واحترمت خيارات بعض الاعضاء الذين احتفظوا بعملاتهم كبريطانيا،واصبحا العملة الأوروبية تهدد الدولار الامريكي في أكثر من منعطف برغم ما يعصف بالقارة العجوز من تحديات اقتصادية كبيرة لاسيما بعد انضمام جزء من دول شرقها الفقير الى الاتحاد. وكذلك وحدوا القوانين الاساسية في جسم الاتحاد الواحد ، فالمواطن الاوروبي يستطيع ان يحصل على رخصة قيادة سيارة من اي دولة يشاء ويتنقل بين المطارات الاوربية بهويته الشخصية أو من دون أن يسأله احد من اين جئت والى أين أنت ذاهب .
الأوربيون امتلكوا مصرفاً مركزياً عملاقاً ينظم شؤون عملتهم وتجاراتهم.
وهم في ظل ذلك يعيشون حالة من التضامن النفسي والوجداني في التعامل مع قضاياهم ،فضلاً عن قوة التنسيق الأمني المشترك لحماية أنفسهم .
الأهم من كل ذلك ،أن دولة لم تغز أخرى تحت لواء الاتحاد الاوروبي ، ولم تهدد دولة أختها بالحرب بسبب نزاع حدودي أوحزب أو مذهب أو جماعة موالية ،انفصالية كانت أو اتحادية. كما لم تحدث في دولة من الاتحاد نزاعات وحروب أهلية ووقف بقية الاعضاء يتفرجون أو يزيدون حطب النار .
الآن ، بعد هذا الموجز المضيء والمظلم في الوقت ذاته، ليس هناك داع لكي أقول ماذا فعل العرب تحت لواء الجامعة العربية وماذا يفعلون ، لذلك ليس هناك أهمية أصلاً أن تبقى دولة في الجامعة أو تخرج منها ،فلا تخسر إن فعلت ذلك ،سوقاً مشتركة أو عملة موحدة أو جيوشاً تقف معها ساعة الضيق ولا تستقدم الاجنبي لاحتلالها . وربما سيتجنب الفقراء اعباء تلقيهم مساعدات من العرب الاغنياء الذين يريدون مكانها تسديداً بالمواقف حتى لو كانت على حساب كرامة البلد وسيادته.

&