قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جيفري كمب

أهم تحدي في السياسة الخارجية يواجه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب يتمثل في الطريقة التي يدير بها العلاقات مع روسيا، وهي البلد القادر على تدمير الولايات المتحدة في غضون ساعات. وخرج ترامب حين كان مرشحاً عن الحزب الجمهوري للرئاسة عن مسار الحملة الانتخابية، وامتدح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتباره زعيماً سلطوياً جريئاً، يتمتع بشعبية كبيرة لدولة عظيمة. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات، لم ينتقد ترامب قط بوتين وقمعه للديمقراطية في بلاده، وجهوده في سبيل استعادة الهيمنة الروسية على مناطق كانت يسيطر عليها الاتحاد السوفييتي السابق، خاصة في شرق أوروبا ودول البلطيق.

لكن قبيل الانتخابات الأميركية، أصبح من الواضح أن روسيا تورطت في هجوم رقمي هائل على المؤسسات السياسية الأميركية، بما في ذلك خوادم الإنترنت للجنة القومية للحزب الديمقراطي الأميركي والبريد الإلكتروني الخاص بجون بوديستا، رئيس الحملة الانتخابية للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وحققت عمليات القرصنة نجاحاً كبيراً ووزعت ما حصلت عليه من معلومات وانتشر كثير من القصص الصحفية التي تصور التناحر الداخلي في الحزب الديمقراطي، مما فاقم المنافسة بين هيلاري ومنافسها العنيد السناتور بيرني ساندرز.

وأثناء هذه الفترة السابقة على الانتخابات، أصبحت أجهزة الاستخبارات الأميركية مقتنعة بأن التحركات الروسية حصلت على موافقة بوتين، وكان المقصود منها التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لصالح ترامب ضد حملة هيلاري. وبعد انتصار ترامب في الثامن من نوفمبر أصبحت وكالات الاستخبارات الأميركية أكثر صراحة فيما يتعلق باقتناعها بأن القيادة الروسية كانت ضالعة في مهاجمة الحزب الديمقراطي رقمياً. لكن حملة ترامب في المقابل، أصرت على أن الأدلة ليست حاسمة وأن من السابق لأوانه إلقاء اللوم على روسيا فيما حدث. وعلى مدار أسابيع، بعد الثامن من نوفمبر، في الفترة التي كان ترامب فيها يشكل فريق إدارته، لم تظهر انتقادات لروسيا من معسكر ترامب، حتى فيما يتعلق بالهجوم الرقمي أو سلوك بوتين في القرم وأوكرانيا. 

ويوم الاثنين الماضي أعلن شون سبايسر الذي من المقرر أن يصبح السكرتير الصحفي لترامب بعد أن يدخل البيت الأبيض يوم 20 يناير الجاري، أنه لم تظهر أدلة تشير إلى أن عمليات التسلل الإلكتروني الروسية أثرت على نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية، وإن القفز إلى الاستنتاجات قبل تلقي التقرير النهائي للاستخبارات ينم عن عدم شعور بالمسؤولية.

وهذا التوجه لدى ترامب أدى إلى تطورين من المحتمل أن يكونا مزعجين. أولهما تصاعد الخلاف بين ترامب وإدارة أوباما التي ستظل في السلطة حتى 20 يناير الجاري، وتزايد خلاف ترامب مع أجهزة الاستخبارات الأميركية، ومنها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. أي.) المتحفظ عادة. ففي يوم 29 ديسمبر من العام الماضي، أعلن أوباما عن عدد من العقوبات ضد مسؤولين روس كبار على خلفية الهجوم الرقمي، وطرد على الفور 35 روسياً مقيماً في الولايات المتحدة. 

وانتقد سبايسر المتحدث باسم ترامب، يوم الاثنين الماضي أيضاً، ذلك الإجراء، معلناً أن البيت الأبيض ربما عاقب روسيا بشكل غير متناسب عندما أمر بطرد الروس للاشتباه في أنهم ضباط استخبارات. والتطور الثاني هو أن وجهات نظر ترامب لا يشاركه فيها الحزب الجمهوري الذي عادة ما يكون معادياً لروسيا. فقد طالب أعضاء جمهوريون بارزون في مجلس الشيوخ الأميركي، من بينهم جون مكين ولينزي جراهام وميتش مكونيل، بالإضافة إلى بول ريان الرئيس الجمهوري لمجلس النواب، بإجراء تحقيق رسمي في الكونغرس بشأن التصرفات الروسية التي إن ثبت وقوعها قد تؤدي إلى مزيد من العقوبات ضد القيادة الروسية.

ومشكلة ترامب هي أن المضي قدماً في الطريق الذي ظهر فيه بمظهر المؤيد لبوتين، أثناء الحملة الانتخابية وبعدها، يجعله في مواجهة خيار صعب. فإما أن يعترف بأنه كان مخدوعاً بشأن روسيا وسياستها أو يواجه صراعاً مريراً مع المؤسسة الأمنية الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي، وأيضاً مع عدد كبير من الحلفاء في «الناتو». وإذا قبل ترامب إجماع الآراء على أن بوتين ليس صديقاً للولايات المتحدة فسيُتهم بضعف فهمه لروسيا. 

ومع الأخذ في الاعتبار تضخم ذات ترامب العصية على القياد، فإن مثل هذا التغير الكبير في سياسته سيمثل إهانة له في بداية إدارته. وسيُنظر إليها باعتبارها مثالاً آخر على التراجع عن التصريحات الجريئة التي أدلى بها أثناء الانتخابات. وكان ترامب قد وعد بعمليات ترحيل واسعة النطاق للمهاجرين غير الشرعيين، وبناء جدار على امتداد الحدود مع المكسيك، كما هدد بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات القادمة من المكسيك والصين. وبالنسبة لكثير من الأميركيين فإن تراجع ترامب عن مواقفه بشأن قضايا مهمة، يعتبر علامة إيجابية تخفف من حدة مواقفه المتشددة. أما بالنسبة لقطاع آخر من الأميركيين، خاصة أنصاره، فإنها ستكون علامة ضعف، وبالتالي مشكلةً أمام إدارته الجديدة في أيامها الأولى.