&عبدالله بشارة

& تضمن خطاب سمو الأمير أمام مجلس الأمة، الواضح في كلماته، القوي في نبراته، والصريح في توجهاته، كل ما يشغلني والآخرين من أهل الكويت الغيورين، الملتزمين بالقانون، المتحصنين بالدستور، الموالين للقضاء، والقانعين بأحكامه.

ويشكل البيان الذي طرحه سمو الأمير جدول أعمال لمداولات المجلس، ليس لهذا العام فقط وإنما لسنوات طويلة مقبلة.

قدم سمو الأمير مشروعاً سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً، مستخرجاً من تجارب كثيفة صقلتها مشاركة عقود في الشأن الوطني، فعندما يستذكر الأمير الرعيل الأول من بناة الدستور، فإنه يستوحي نقاوة النوايا وترجيح العقل ومنح الأولويات لسلامة الوطن في محتواه وفي أخلاقياته، ويذكِّر المستمعين في المجلس وخارجه، بأنه المؤتمن الذي لن يقبل بالتطاول على الوطن ولا بالعبثيات الانتخابية، أو الفزعات التجمعية، ولن يتأخر في القضاء على التحديات التعاضدية لأحكام القانون ولقرارات القضاء.

ويكشف البيان الأميري دقة متابعة سمو الأمير لمجريات الحياة السياسية والاقتصادية، ودرايته بتفاصيل المداولات الاجتماعية، وقد أعجبني توجُّه سمو الأمير نحو المواطنين بأن يطمئنوا، فعَينُ القيادة مفتوحة ترصد المخالفات، وتعمل على حماية الحياة الديموقراطية وصونها من المزايدات الانتخابية.

وهنا أود الإشارة إلى جوهر ما جاء في خطاب سمو الأمير:

أولاً: لم يقدم سمو الأمير خطاباً تقليدياً عادياً تطغى عليه مشاعر الثناء والمديح، وإنما قدم بياناً Declaration، وفق تعريفات الأمم المتحدة، وهو إعلان يجب أن تقف مسيرة مجلس الأمة عنده باستخراج المعاني واستخلاص النصائح وتفسير المؤشرات، وأبلغ ما في البيان يتمثل في زاويتين، أولاهما حديثه إلى النواب بأن يلتزموا متطلبات المسؤولية الديموقراطية في التركيز على أن الكويت وسلامتها وحياتها بوحدة وطنية وممارسة ديموقراطية عالية وبمفردات صافية، وبتوجهات بناءة، والأخرى، رسالة تطمين للمواطن بأن سمو الأمير واعٍ لما يدور صابر على متاعب الديموقراطية، حامٍ لها قادرٌ على تصويب مسارها إذا ما خرج الأعضاء إلى مواقع الإضرار.

ثانياً: لم يكن البيان الأميري غافلاً عن تنبيه النواب إلى سلم الأولويات في القيم الديموقراطية، وهي الدفاع عن المبادئ التي تجسدت في الدستور، وتشكل ضوابط الحياة في كل جوانب الشأن الكويتي، وأبرزها استقلال القضاء والامتثال لأحكامه، وتعظيم الوحدة الوطنية، والاعتزاز بالهوية الكويتية التاريخية.

لم يرتفع النواب في يومهم الأول إلى هذا السقف من شروط الاستقرار والاطمئنان، فقد أصرَّ أكثر من النصف على المساهمة في التعاضد التحزبي، في إبقاء عضوية النائبين الحربش والطبطبائي، بكل التحدي لهيئة القضاء ومنزلتها والإصرار على الاستثنائية «الاعتباطية» من أحكام القضاء.

وبكل صراحة كانت عملية التصويت خطوة تعسة طغى فيها حماس الفزعة على نور التعقل، ولا أعرف كيف سيتم استئناف عمل النائبين وبأي مسؤولية، بعدما قال القضاء حكمه حولها؟!

وقد استغربت واستكثرت على ممثلي الحركة الدستورية قيادة التحدي القانوني، فاسمها حركة دستورية لم تعبأ بالمحتوى الذي يحمله هذا العنوان، واستشاط بعض أعضائها في تقديم فتاوى وتحليلات لا يهضمها عقل.

لم يذعن نواب الفزعة للمؤشرات التي تسيدت البيان الأميري، ومنها التنبيه بأن الذين أنيط بهم الحفاظ على القوانين يجب أن يتصدوا لمن يخالفها، وأنهم كمشرعين يجب أن يكونوا قدوة، مع الأسف لم تمتثل تلك المجموعة لذلك الصوت المسؤول، وتسابق نواب المساندة في إظهار الحميمية الشخصية للرفيقين، مع تضحية لا تبالي بمعاني القضاء.

ثالثاً: يتحدث سمو الأمير في بيانه التاريخي عن الديموقراطية التي آمن بها ويصونها، ويتطرق إلى أن الممارسة الحالية لم تصل إلى مرحلة النضج والرشاد، وهو أمر يفرض التوقف للنظر في واقع المجلس كمؤسسة سياسية شعبية تعكس توجهات المجتمع.

ومن خلال الرصد نشعر بأن سلوكيات النواب في مراعاة الترابطات القبلية والتقاربات الفكرية والسياسية، قد أضعفت كثيراً الترابط الضميري والحسي بين المجلس وأطياف المجتمع، كما ضعف الحرص على بقاء المجلس، إلى حد أن غياب المجلس لا يعني شيئاً كثيراً في حياة المواطن، وهو أمر مؤسف.

من السهل إعادة البريق الذي لازمه منذ ولادته، ثم تضاءل مع الممارسة الباهتة التي أضاعت الوقت في غارات متتالية على الوزراء عبر استجوابات غير عقلانية.

وجود البرلمان المستنير الذي يساند الحكم ويعزز قواعده ويعمق جذوره لا مفر منه للحفاظ على الهوية الوطنية بسيادة دائمة وصلبة، هذه حقيقة يلتزمها الجميع، لكن هذا الالتزام لا يعني تطبيقه على برلمان يتجاهل القضاء ويتحداه، ويعمل على تعزيز الألفة النيابية بين الأعضاء على حساب منابع العمود الفقري للأمن والاستقرار.

رابعاً: سيظل القرار الذي اتخذه المجلس حول عضوية النائبين مادة اختلاف ونقطة مداولات في الساحة السياسية الكويتية، وفي دواوينها وفي أرشيفها، فأنا من أصحاب الاعتقاد بأنه لم تكن هناك ضرورة للمناقشة، فقرار القضاء لا يسمح بفتح المنافذ للعودة، وما جرى هو مسعى خرج من توافق بين الزمالة وتعاضد القبيلة ورفاق الحركة.

والمؤسف أن ذلك يتم بعد دقائق من خروج سمو الأمير من المبنى بعد طرحه البيان السياسي الوطني الشامل.. كانت غلطة غليظة في مسيرة المجلس.

خامساً: لا بد من الاشادة بأداء رئيس المجلس والثناء على وعيه في تعميق الشراكة بين السلطتين، والسعي الدائم لإغلاق المنافذ التي تتسلل منها الاحتكاكات بين الطرفين، ومصدرها الاندفاع الطفولي نحو الاستجوابات، وبشكل يؤثر في صورة الحياة البرلمانية، ويؤجج الخلاف المؤذي للمجتمع.

من دون انسجام بين القوى الثلاث ـــ القضاء، البرلمان، والسلطة التنفيذية، تهتز قواعد الثبات ويرتبك الاستقرار الدائم.

&