: آخر تحديث

عصر الحروب الدائمة

 محمد علي فرحات  

«منتدى باريس للسلام» محطة «فكرية» تلي المحطة «الاحتفالية» لمناسبة مرور مئة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، بمشاركة 70 رئيساً وقفوا متأملين في الذكرى الى جانب مضيفهم الفرنسي في جادة الشانزيليزيه. ويشهد المنتدى بدءاً من أمس تبادل أفكار حول وضع أو تطوير نهج تعددي للأمن والحكم في عالم يشهد أزمات متلاحقة، تلهث الدول الكبرى والمؤسسات الدولية للوصول الى حلول لها وقلمّا توفّق.


أكثر من عشرة ملايين قتيل بين عامي 1914 و1918 في حرب عالمية أولى، فضلاً عن خراب مدن وقرى وانهيار في الأفكار وولادة سريعة او متسرعة لأفكار بديلة. وكان لا بد من حرب عالمية ثانية لتتكرس الأفكار الجديدة التي لا تزال حاضرة اليوم، مترهلة تعجز عن حل مشاكل محلية ودولية، فهل يتطلب الأمر حرباً عالمية ثالثة؟ الواقع أن هذه الحرب تحدث بالتقسيط لا دفعة واحدة. انظر الى نكبة الهند (تقسيمها الى دولتين) عام 1947 ونكبة فلسطين (إقامة دولة إسرائيل على معظم أرضها، وقد امتدت لاحقاً لتبتلع الأرض كلها مع جزء من سورية) وما أعقب ذلك من حرب في كوريا أدت الى تقسيمها وحرب في فيتنام أوجعت الولايات المتحدة فلم تبق الدولة البعيدة التي ترسل جنودها لانقاذ الديموقراطية ثم ينسحبون. حرب عالمية بالتقسيط لا يمكن الاحتفال بنهاية أي محطة منها، فهي حين تبدأ في مكان ما تستمر بأشكال مختلفة من العنف «الناعم» والعنف «القاسي». من هنا صراع الثقافات وضحايا الجهل والجوع والتعصب الأعمى، ومن هنا أيضاً الحروب الإلكترونية والحروب «الخفية»، فضلاً عن مشكلة المناخ التي تهدد البشرية ولا تلقى اهتماماً من بعض القيادات الفاعلة مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب. للعالم مشكلاته، منذ بدء الخليقة، لكنها تتعقد مع تكاثر البشر بأفكارهم وأهوائهم وعقائدهم الدينية وشبه الدينية. وتتظهر المشكلات بوضوح، وغالباً بفوضى وتناقض، مع تطور تكنولوجيا المعلومات. من هنا يرى كثيرون أن آليات التغيير تتباطأ في فترات السلام وتتسارع الى حدّ خطير في فترات الحروب، كأن الخراب ضروري لإعادة البناء، وكأن مبدأ الاصلاح والتطوير يتراجع لمصلحة تدمير ما هو قائم والبناء من الصفر، وصولاً الى الانسان نفسه الذي يحمل أفكاراً مطلوب إعدامها. الحرب العالمية زلزال عالمي، ونحن اليوم نعيش هزّات محلية هنا وهناك، مع الفارق أن الحرب العالمية لها بداية ونهاية، أما الحروب المحلية فتبدأ ولا تنتهي، وإذا أتيح للحكومات البقاء تتحول الى شاهد صامت على الحرب يعجز عن ايقافها. هنا تتكاثر النداءات الى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ولسائر المؤسسات الدولية الجامعة في نيويورك وجنيف، وأيضاً الصرخات الموجهة الى الدول الكبرى تطلب النجدة ولا من ينجدها. وإذا كانت الحرب العالمية تؤدي الى تغيير في أحوال المهزوم كما أحوال المنتصر، وهو تغيير إيجابي في المحصلة الأخيرة (ألمانيا واليابان المهزومتان في الحرب العالمية الثانية تحولتا الى أكبر قوتين اقتصاديتين، كلٌ في محيطها)، لكن الحروب المحلية الدائمة تحمل الخسارات المتتابعة وتصبح اطرافها عالة على الدول القادرة التي تزودها بالغذاء لحفظ ما بقي من السكان.

وصارت ممجوجة الشعارات التي تنسب الحروب القبائلية والطائفية والقومية الى الاستعمار ومطامعه. أسباب الحروب موجودة في المتحاربين أنفسهم، في ثقافتهم، ومدى وعيهم بأن الوطان، كبيرة أو صغيرة، تقوم على التعدد أو لا تقوم. الحرب العالمية الأولى حملت نتائج كثيرة، أولها عالمياً تبوّؤ الولايات المتحدة قيادة الغرب وتضاؤل شأن فرنسا وبريطانيا، وأولها عربياً نشوء الدول الحديثة وفشل معظمها في الادارة السياسية والاقتصادية والثقافية، واستيلاد دولة إسرائيل التي تعتبر المشكلة الأبرز في منطقتنا والذريعة الحاضرة لأخطاء هيئات حاكمة في إدارة أوطانها. أنظر الى تجارب مصر وسورية والعراق في هذا الشأن. الاحتفال في فرنسا كان ينبغي أن تترافق معه احتفالات في بلاد عدة، شكلت الحرب العالمية الأولى مفترقاً سلبياً أو ايجابياً لها، بل نفتقد احتفالات بالضحايا الغرباء الذين حاربوا تحت أعلام بلاد لا ينتمون اليها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد