: آخر تحديث

هتلر.. الحب الخفي

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فارس بن حزام  

مما يلفت الانتباه في أوروبا، عودة الإنتاج التلفزيوني الكثيف عن الزعيم النازي أدولف هتلر. الماكينة لا تتوقف، وكل بضعة أشهر يعرض فيلم وثائقي عن سيرته؛ تفاصيل حياته، أسرته، أقاربه، طبيبه، نسائه، اهتماماته الفنية، خطاباته، فصاحته، ملابسه، وكل ذلك مغلف بغطاء جرائمه.


لا تقدم الأفلام أي إطراء لشخصية هتلر أبداً، تفادياً لأي تبعات قانونية، لكنها تترك المشاهد أمام شخصية تعبر عن الروح الوطنية العالية، وتذهب بها إلى أقصى التطرف الشعبوي، بمخاطبة الوجدان القومي، وتمييزه عن بقية أجناس بشرية مهاجرة، كما تقدمه إنساناً مثلنا؛ يجذبه الجمال والثقافة والفنون وحسن الكلام. وحينها لن يتوقف المشاهد عند جرائم النازي، فذلك مكرر ومعلوك طوال سبعة عقود، بل سيجد نفسه منجذباً إلى جوانب أخرى من الشخصية، كما أن هذا الكم الكبير من الإنتاج لا يدين بقدر التذكير بالأفكار الوطنية.

ما مناسبة ذلك؟ إنها الانتخابات البرلمانية الأوروبية الكبرى، واليوم (الأحد) موعد حسمها، وأيادي قادة أوروبا على قلوبهم خشية إحراز اليمين المتطرف تقدماً إضافياً، خاصة أن الأسابيع الأخيرة حملت مؤشرات أقلقتهم، عندما قالت استطلاعات الرأي إنهم يتقدمون.

ما جرى، أن الحياة دبت في الشعبوية الوطنية منذ عقدين. حملت الألفية الجديدة روحاً مختلفة للمتطرفين، إذ شكل اكتمال الاتحاد الأوروبي دافعاً قوياً لإعادة مزاج ما قبل الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك، بدأ تقدم اليمينيين يأخذ شكلاً ثابتاً وهادئاً وبوتيرة بطيئة، إلى أن حان العام 2017 وتفاجأت أوروبا بحجمهم، وبرزوا عبر انتخابات عدة في دول مثل فرنسا وألمانيا وهولندا والنمسا. لقد حافظ مؤشرهم على الصعود عموماً، وحفز دولاً أوروبية أخرى على استعادة الروح الوطنية. هؤلاء لا يرون الاتحاد الأوروبي مفيداً لدولهم، وصوتهم كان مؤثراً في شرائح أخرى لا تلتقي مع أفكارهم المتطرفة، ومن ذلك ما خرج به المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. استطلع آراء مواطنين في 14 دولة، فجاءت النتيجة أن أكثر من نصف مواطني 11 دولة منها يرون انهيار الاتحاد الأوروبي في أقل من 20 عاماً. ولذا، ستكون حصيلة أي تقدم إضافي في انتخابات البرلمان الأوروبي تعزيزا لاحتمال نهاية الاتحاد، وتغيير وجه أوروبا، وبداية رحلة طويلة نحو العزلة الاجتماعية عن بقية الأعراق والأديان.

ذلك ما نادى به هتلر، وسعى لأجله، مشكلاً مجتمعاً قومياً لا يسمح بأجناس بشرية ذات قيمة أقل، وما ينادي به اليمين المتطرف وسط قارة يواصل اللاجئون والمهاجرون تغيير لونها، وتنويع أعراقها.

فهل كانت أفلام هتلر الكثيفة حملة ذكية لتسويق اليمين المتطرف، وتعبيراً عن شعبية خفية؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد