قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بهجت قرني

في محاضرة، ألقيتها منذ أسبوعين في الشمال الإيطالي، وبالتحديد في مدينة ميلانو الشهيرة، يبدو أني كنت إيجابياً أكثر من اللازم في الحديث عن لبنان، في السياق العام لمناقشة منطقة الشرق الأوسط، لأنني عندما توقفت للحظة لالتقاط الأنفاس، انتفضت إحدى الحاضرات لتذكّرني بأن ما أسميه «النموذج اللبناني» هو صورة مبالغ فيها، وبأنه عليّ أن أضع لبنان ضمن قائمة «الدول الفاعلة». كانت هذه المتحدثة تعرف ما تتكلم عنه، ليس فقط لأنها باحثة في الدراسات العليا، ولكن لأنها فرنسية من أصل لبناني. وعدتها بأن أعرض الأمر للنقاش العام، ليس فقط في نهاية المحاضرة، ولكن أيضاً على القراء الذين

يتابعون أحوال المنطقة عن كثب، وهذا فعلاً ما أقوم به في هذا المقال.
الحقيقة أن البيانات والإحصاءات الموضوعية تُبين أن لبنان فعلاً في وضع سيء. المؤشرات الاقتصادية المعهودة، في هذا الصدد، واضحة كل الوضوح. فالدّين العام يمثل نسبة 125% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من أعلى المعدلات في العالم. لذلك فإن إحدى نتائج هذا الوضع الصعب هي أن حوالي

ثُلث الميزانية يُستخدم لدفع الفوائد فقط، وليس الدَّين نفسه، ومن المحتمل أن يرتفع هذا الدين، ليمثل 180% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن الموقف الأخطر في رأيي، هو الشلل السياسي شبه المستدام. فمثلاً قبل وصول الرئيس الحالي إلى الحكم، فشل البرلمان أربعة عشر مرة في انتخاب الرئيس، ثم قام بتأجيل الانتخابات البرلمانية نفسها لسنوات. وحتى بعد تنظيم الانتخابات البرلمانية في مايو من العام الماضي، فإن ذلك لم يضع حداً لحالة الشلل أو العجز السياسي في البلاد. لقد تَغَير الوضع بالنسبة لبعض الأحزاب، حيث فَقَدَ «تيار المستقبل» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي، سعد الحريري، 13 مقعداً، بينما تمكّن حزب «الحركة الوطنية الحرة» من زيادة مقاعده إلى 29 مقعداً من أصل 18، أي بأكثر من 60%، بينما كسب «حزب الله» مقعداً إضافياً واحداً، وحصل على نسبة 16.83% من الأصوات مقارنةً بـ15.72% للحركة الوطنية الحرة، و14.56% لتيار المستقبل الذي يقود الحكومة. إن هذا الوضع يجعل من «حزب الله» الموالي لإيران دولةً داخل الدولة، ويؤثر على علاقات لبنان بأصدقائه وحلفائه. فالولايات المتحدة تُدرج هذا الحزب ضمن المنظمات الإرهابية، كما أن الدول الخليجية تنصح رعاياها بعدم الذهاب للسياحة في لبنان، وهم الذين يمثلون حوالي 60% من الدخل السياحي للبنان. إن طريقة تعامل النخبة اللبنانية مع المأزق السياسي الذي خلقه وجود «حزب الله» كدولة داخل الدولة، يعكس النظرة الضيقة لهذه النخبة التي تُركز على مصالحها الآنية والطائفية دون المصلحة الوطنية. لكن ما الذي يُنقذ لبنان من الانهيار الكامل؟

هناك عاملان على الأقل يُبقيان لبنان في قائمة «الدول الهشة»، وليس تماماً «الدول الفاشلة»:
1- الشتات اللبناني المنتشر حول العالم، من الخليج إلى أوروبا إلى أميركا الشمالية، والذي تُسهم تحويلاته المالية الضخمة في إنقاذ الاقتصاد اللبناني.
2- قبول الشعب اللبناني نفسه، منذ الاستقلال، بالحق في الاختلاف ووجود جماعات وتيارات متباينة داخله، حيث أصبح هذا الاختلاف والتعدد أساس النظام السياسي اللبناني. وبالرغم من مقالب ممارسة هذا الاختلاف والتعدد، إلا أن الجميع يُدرك أن البديل قد يكون أسوأ بكثير، وأن الصيغة اللبنانية الحالية -أو ما سمّاه عالم السياسة الهولندي ليبهارت «الديمقراطية التوافقية»- يجب التعامل معها وإصلاحها، وليس العمل على إفشالها ورميها في البحر المتوسط.