قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

& علي بن سالم الكعبي


لفت انتباهي من أنباء الأسبوع الماضي خبر زيارة الشابة العراقية نادية مراد للإمارات، وهي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2018. حيث استقبلها سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية والتعاون الدولي، وأكد على أنها تمثل نموذجاً ملهماً لمواجهة التطرف بعدما أفلتت من عناصر «داعش»، وأخبرت العالم عن جانب من جرائم هذا التنظيم وخصوصاً بحق الأقليات. كما أشاد بما حققته تلك الشابة إثر تحويل معاناتها إلى درس وعبرة في الصبر والأمل والشجاعة. وبدورها وصفت نادية دولة الإمارات بأنها منارة لنشر قيم التسامح والسلام والمحبة، ودعم جهود المجتمع الدولي لمكافحة التطرف والإرهاب.

استقبال الإمارات لنادية «سفيرة النوايا الحسنة» إنّما هو موقف يكرس نهج أبوظبي التي تؤكد مضيّها على طريق نشر التسامح عالمياً، وهي التي شكّلت مؤخراً لجنة عليا لتحقيق أهداف وثيقة «الأخوة الإنسانية»، وتضم في عضويتها كوكبة من أعلام الفكر وأصحاب الرؤى التنويرية، وقد اجتمعت هذه اللجنة للمرة الأولى في الفاتيكان يوم الأربعاء الماضي، أي يوم ذكرى الحدث الأليم الذي وقع في 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية. وقد لا يخفى على أحد مغزى ودلالة اختيار هذا التاريخ من قبل اللجنة كتعبير عن إرادة الحياة القوية والأخوّة المبتغاة، في وقت يعمد فيه آخرون إلى نشر التفرقة والموت.
ولمن لا يعلم فإن وثيقة «الأخوة الإنسانية» هي الأولى من نوعها في تاريخنا الحديث، تم توقيعها في فبراير الماضي في أبوظبي من قبل فضيلة شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، وهي تؤسس لنشر ثقافة المواطنة والتعايش والإخاء بين الناس. وبالتالي فإن تشكيل اللجنة ينطوي على معانٍ ودلالات تعكس أهمية موقع قضية التسامح التي تأتي في مقدمة قائمة أولويات الإمارات التي تعمل على إتمام مسؤولياتها وفق خطة مدروسة، ذلك أن تنفيذ «الوثيقة» يمكن أن يشكّل خطوة رائدة تسهم في تخفيف الاحتقان الموجود في العالم، وتحفّز المبادرات والجهود المماثلة على العمل، وهو ما قد ينقذ الإنسانية من مآسٍ يتحمّل تبعاتها الأبرياء.

إن الإمارات في مسعاها الإنساني النبيل لتعميم ثقافة التسامح ومحاربة الإرهاب بأنواعه؛ لا تحرث في البحر، ذلك أنها نجحت في حشد الأنصار والمؤيدين لها على اختلاف انتماءاتهم العرقية والإثنية والجغرافية، وهو ما دفع بابا الفاتيكان إلى القول بأن (التسامح والإمارات وجهان لعملة واحدة).
لكن دور أبوظبي لن يقف عند الدعم المعنوي للجنة، إنما ستسعى بالتأكيد إلى توظيف قوتها الناعمة لصالح برامجها اعتماداً على مصداقيتها التي يُنظر إليها بعين الاحترام والتقدير، وذلك من خلال تجربة العيش المشترك لأكثر من 200 جنسية على أرضها، ومن خلال منظومة السياسات والتشريعات التي تعمل بها فتجرّم كل صور الكراهية والتمييز، وكذلك من خلال العمل المتواصل مع الدول والمنظمات في سبيل نشر القيم النبيلة.
إن تشكيل اللجنة وسرعة بدئها في العمل يؤكد الحرص على تحقيق الرؤى المشتركة لبلورة المبادرات والأفكار القيّمة، ولا شك أنها ستشرع الباب للتفكير العقلاني الساعي إلى إرساء قيم التسامح والتعايش السلمي بين البشر على اختلاف عقائدهم وذلك للنهوض بالمجتمعات، ولتكريس الخير للإنسان، ولمجابهة الشر والفتنة والتطرف والكراهية.

ولأن الوثيقة على درجة من الأهمية في محتواها ورسالتها؛ فإن تحركات أبوظبي تستحق بالفعل الدعم من كافة الأطراف، لا سيما وأن الإمارات تسعى بدايةً إلى وضع حد للآفة العظيمة التي تهدد البشرية بلا استثناء، ومن ثم معالجة الآثار الناتجة عنه قدر المستطاع. ولهذا من المهم جداً محاصرة الإرهاب وتجفيف منابعه، والتعامل مع البيئات التي من الممكن جداً أن تكون حاضنة للفكر المتطرف بكثير من الحنكة والحكمة والذكاء، وعبر مقاربات فاعلة من شأنها أن تفتح المجال للتعامل مع الأسباب قبل الانتقال إلى التعامل مع النتيجة. وكي يفلِح الدواء في القضاء على المرض لا بد أن نبدأ من الجذور. كما على الجميع أن يتعاونوا مع كل الجهود الرامية إلى مكافحة الإرهاب بكل أشكاله بما في ذلك عمليات غسيل الأموال كي تّزال مصادر التغذية، مع ضرورة الحرص - في الوقت ذاته - على دعم الجهود التي تُبذل من أجل تعزيز الحوار بين الحضارات، وتعميق مفاهيم التسامح بين الأديان، وغرس قيم الوسطية والاعتدال والتعايش في المجتمعات بغرض تحصينها، والإسهام في تنمية الوعي بكافة أشكاله عند الناس وخصوصاً الوعي الديني، وذلك من خلال دعم الجهود البناءة الداعية إلى إصلاح الخطاب الديني المتطرف أيّاً يكن.

وهذا هو هدف الوثيقة التي تعلن بوضوح الحرب على الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، وتندد بالجماعات الإرهابية، وتحذر من الأذى الكبير الذي يمكن أن تلحقه بالمجتمعات، وبتهديدها أمن واستقرار الدول.
إن كل ما سبق يعتبر مهمّة في غاية النبل والإنسانية، ولا شك أنها تتطلب العمل الجاد من الجميع كي يُكْسَب الوقت لصالح المجتمعات واستقرارها. ومن المؤكد أن نشر مضمون رسالة وثيقة «الأخوة الإنسانية»، وتكريس مبادئها، وتطبيق أهدافها؛ وجميعها أمور من شأنها أن تحقق الأمن والأمان في العالم

&

&