كلمة (نظر) لها معانٍ كثيرة، ربما عشرات المعاني، وتعرف وتُفسر من سياق العبارة. من تلك المعاني: حاذق وذو فراسة، حسن التقدير للأمور في مستقبلها. وبُعْد النظر يمكن الإنسان من أن يرى الأمور من جميع جوانبها، وهذا لا يتعارض مع معرفة المستقبل، المستقبل بيد الله. الشركات والمؤسسات والبنوك تبني بُعد نظرها من خلال خطة إستراتيجية قد تمتد عشر سنوات. وبُعد النظر عند الإنسان يكتسب من الممارسة، والخبرة، والتعامل مع الآخرين، والدراية، ووضع الأمور في وضعها الصحيح. هناك وجهات نظر يعَبِّر عنها الناس وليس بالضرورة أن تكون وجهة نظر إيجابية أو صحيحة.

نسمع بين الناس أحيانًا مقولة: (ما عنده بُعد نظر)، هذا صحيح؛ فليس لدى كل إنسان بُعد النظر، وإن كان كذلك فالحياة تتحول إلى واقع آخر، واقع أكثر محبة. إن بُعد النظر والتخطيط للمستقبل يمنح الإنسان حالة الاطمئنان، ويشحن حياته بالتفاؤل بالخير، وهو مدعاة للنشاط الروحي والنفسي، بيد أن الأماني الطويلة تدع الإنسان متحسرًا على نيل المشتهيات غير المعقولة، وتجعل الحياة مُرَّة بلا اطمئنان. هناك من يستشير من لدية بُعد نظر، وهذا هو الطريق لمعرفة من وراء الأكمة، جميل جدًا أن نأخذ برأي من لديه بُعد نظر. وليس بُعد النظر ضربًا من الخيال، كيف يكون كذلك وبيننا من لهم باع طويل في حسن الدراية ومعرفة ما وراء الأكمة. والخيال يمكنك أن ترى بعينك ما لا تراه في واقعك.

هناك اختلاف حقًا بين الواقع عن الخيال، الواقع ما نعيشه والخيال ما نتمناه لكنه ليس صعبًا تحقيقه إذا كان بُعد النظر لدينا كما يقال ثاقب. أقتبس: (ألبرت أينشتاين: المنطق يأخذك من أ إلى ب، الخيال يأخذك إلى كل مكان). من المهم جدًا أن ندرك قدراتنا، وألاَّ نكابر معتقدين أننا سننجح في إتمام أمر يبدو صعبًا علينا إنجازه وحدنا، بينما يكون إنجازه مضمونًا في حال تلقينا مساعدة بسيطة. لذا علينا طلب المساعدة من أصحاب بُعد النظر، ولا نتردد في ذلك، التردد يُضيِّع وهج ما نصبو إليه. خلافات قد تحدث بين الناس، ربما بين زوجين، يتهم كلٌ منهما الآخر بقِصر النظر، وعدم إدراك ما يدور من حوله، تُرى: من لديه بُعد نظر؟ بُعد النظر كما ذكرت لا يملكه إلا القليل من الناس الذين يدركون معني الحياة، ويتطلعون للحياة من جميع الزوايا. وهذا ينطبق على الكثير من ممارسات الحياة وتفاصيلها، وفي شتى بقاع العالم. بُعد النظر هذا مخالف لبعد النظر عند النظر عند الإنسان (النظر الحسي) حيث بُعد النظر الحسي بُعد البصر أو مد البصر (علميًا هيبروبيًا, أو هيبرمتروبيًا هي نوع من أنواع تأثر البصر بسبب شكل غير متكامل للعين (عادة لأن كرة العين تصبح قصيرة، أو عندما عدسة العين لا تستطيع أن تصبح مدورة بشكل كافٍ) تسبب عدم استطاعة الفرد عن التركيز على الأشياء القريبة، وفي حالات قوية عدم استطاعته التركيز على أي شيء بغض النظر عن المسافة. تتشابه الأمور لكنها تختلف في معانيها.

أخيرًا بُعد النظر عكسه ضيق الأفق، هو ضعف أو خلل في البصيرة؛ يؤدي إلى حصر التفكير أو الرؤية في حدود ضيقة لا تتجاوز المكان والزمان، أو بعبارة أخرى: هو ضعف، أو خلل في البصيرة؛ يؤدي إلى رؤية القريب وما تحت القدمين فقط، دون النظر إلى البعيد، ودون تقدير الآثار والعواقب، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (46) سورة الحج.