قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا شك أن التضخم اليوم أصبح مشكلة اقتصادية يواجهها العالم ويجد صعوبة في إيجاد حل لها، لكن من خلال تأمل المشهد العام العالمي نجد أن المسألة أصبحت أعقد بكثير، فمنذ إنشاء منظمة التجارة العالمية لإنشاء مجموعة من الأنظمة والتنظيمات التي تحمي التجارة العالمية بدأت الشركات تتنافس في مد أنشطتها حول العالم، ما نتج عنه توزيع للمجالات الصناعية والتجارية حول العالم وتشكلت كيانات ضخمة جدا توصف بأنها شركات متعددة الجنسيات وانخفضت تكاليف كثير من المنتجات بسبب إنشاء مصانع في دول أقل تكلفة في أجور الأيدي العاملة، إضافة إلى ضخامة الإنتاج بسبب تطوير الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية لدى الدول النامية من قبل تلك الدول بمساعدة من الشركات المتطورة التي حققت مصالح ونتائج وأرباحا من هذا الحراك والانفتاح.
العالم اليوم يمر باختبار صعب يتطلب تنسيق الجهود لبقاء العولمة التجارية فاعلة ويعزز كفاءة التجارة العالمية، حيث أصبح من الصعوبة بمكان أن يعود العالم إلى ما قبل العولمة التجارية وإلا ستكون الأسعار والعلم عند الله أضعاف ما نشاهده اليوم.
في تقرير لصحيفة "الاقتصادية" تناول هذه المسألة بعنوان: "أزمة الغذاء تمهد لتفاقم الديون العالمية .. توتر المشهد الاقتصادي" عرض التقرير حديثا لوزير المالية محمد الجدعان في مؤتمر دافوس، عد الوزير خطورة الأزمة أنها لا تنبع من نقص الغذاء العالمي فحسب، بل الأكثر خطورة من وجهة نظره أن العالم لا يأخذ الأمر على محمل الجد بما فيه الكفاية. وفي تصريح إعلامي عد الجدعان أن تفاقم الأزمة سيسبب كثيرا من القضايا، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكن في العالم الأوسع.
الإشكالية اليوم قد يكون لها أكثر من سبب، ولعل من أبرزها مسألة سلاسل الإمدادات وسهولة وصولها، إذ إن أي منتج اليوم يعتمد على أكثر من مصدر ومن دول مختلفة لتكتمل عملية إنتاجه، سواء الحبوب أو الطعام أو مختلف أشكال المنتجات، فانظر إلى أي منتج ستجد أن عملية الإنتاج تتطلب مكونات من مختلف دول العالم، وهذا الأمر ليس جديدا، فهو موجود منذ أن خلق الله البشر، حيث إن قوام حياة البشر معتمدة على حاجة بعضهم إلى بعض، لكن اليوم المشهد أصبح أكثر تعقيدا لتحقيق الكفاءة في الإنتاج وتخفيض التكلفة وزيادة التنافسية في الأسواق. وتعطل مكون واحد من مكونات المنتج يعوق العملية بالكامل.
معظم دول العالم اليوم مشغولة بمسألة التضخم، ولا شك أنها مشكلة اقتصادية لا يستهان بها، لكن الأصعب اليوم هو توافر هذه المنتجات، إذ قد يعاني كثير من الدول عدم قدرتها على توفير الحد الأدنى من احتياجات مواطنيها، وقد تحدثت تقارير إعلامية عن صعوبات قد تواجهها دول كثيرة، خصوصا في قارة إفريقيا، لتوفير الغذاء لمواطنيها، ولعل المشهد في دولة مثل سريلانكا يوضح الصورة التي يخشى أن تصل دول أخرى في العالم إليها.
اليوم ونحن نشاهد بعض الحملات على شركات محددة قد يكون في توقيت غير مناسب ويضر بالمجتمع والاقتصاد الوطني، والسبب هو عدم جدوى مثل هذه الحملات، حيث إن الأسعار لكل المنتجات الغذائية تقريبا مرتفعة بنسب متفاوتة للمنتجات المختلفة، لكن قد يكون بالنسبة نفسها للمنتج من الصنف نفسه، وبالتالي البدائل لن تكون حلا إلا أن يترك الفرد المنتج نفسه. وفي ظل اعتماد المملكة سياسة مفتوحة فيما يتعلق بالسوق بما يعزز كفاءة وتنافسية السوق وتحقيق الأسعار العادلة، فإن الشركات التي تتخذ قرارات غير مدروسة في التسعير ستتضرر بشكل كبير على المدى البعيد، ولذلك فإن مبدأ مثل هذه الحملات غير مناسب والتفاعل معها قد يكون فيه ضرر والأولى التفكير في طرق التعامل مع مثل هذه الأزمات، فكثير اليوم يعاني كثرة الإنفاق وعدم القدرة على الادخار، وجزء منهم في عدم وجود إدارة لمصروفاته، والأسوأ هو ضغط مجتمعي يدفع بهذا الإنفاق بسبب التزامات عائلية. وفي هذه الظروف، فإن التوقيت مناسب لمراجعة كثير من المصروفات التي تتعلق بالمناسبات وغيرها بما يؤدي إلى سلوك أكثر رشدا في الإنفاق، ولذلك نجد من خلال استفتاء حصل في واحدة من دول العالم أن الأفراد بدأوا يغيرون قراراتهم فيما يتعلق بالسفر والنفقات التي تصنف بأنها كمالية.
الخلاصة: التضخم مشكلة عالمية، لكن الأسوأ هو ضمان استمرار تدفق الإمدادات، خصوصا الغذاء، حيث يواجه العالم أزمة حقيقية في ظل أن التحرك أبطأ مما يجب، بل إن بعض الدول - مع الأسف - زادت حجم الأزمة بسبب إجراءاتها الحمائية لمنع تصدير منتجات أساسية تدخل في معظم المنتجات الغذائية، وهذا بلا شك تحرك سلبي ولا يقل عنه ضررا الحروب والنزاعات في ظل حاجة الناس اليوم إلى معالجة هذه الأزمة.