برزت في الكويت شخصيات نسائية كثيرة في شتى المجالات.. كان ذلك من ثمار اهتمام البلاد المبكر بتعليم الفتيات وابتعاثهن إلى الخارج، كما كان ذلك من محصلات اهتمام الأسر الكويتية المتنورة بضرورة حصول بناتها على التعليم الجامعي والعالي، وإيمانها أن العلم الحديث هو السبيل الوحيد للرقي والنهضة.

وإذا ما أردنا التطرق لأسماء الكويتيات الأُوَل اللاتي خضن معارك التعليم والارتقاء بالذات والتنوير والدفاع عن حقوق بنات جنسهن، فإن القائمة تطول، لكننا سنتوقف هنا أمام إحداهن، إنْ لم تكن أبرزهن لجهة انتزاع المكان اللائق للمرأة الكويتية والانشغال بالأدب والتأريخ والإعلام والأنشطة الاجتماعية، ناهيك عن الاشتغال بتخصصها الأكاديمي وهو الإخراج التلفزيوني الذي سبقت فيه غيرها.

هذه السيدة هي نورية صالح السداني.. والسداني بحسب «موقع تاريخ الكويت»، من عائلات الكويت القديمة، وكانوا في منطقة "الزبارة" بالبحرين قبل قدومهم إلى الكويت أوائل القرن الـ 19، وسكنوا ابتداءً في منطقة «شرق» قبل انتقالهم إلى منطقة «وسط» ومن ثم إلى «حولي». أرجع البعض تسميتهم بهذا الاسم إلى أن جدهم كان يسدد ديون الناس وحاجاتهم فلقب به.

من شخصيات الأسرة المشهورة: صالح بن إبراهيم بن صالح السداني وكان تاجراً معروفاً، تربطه علاقة وثيقة مع الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، أحد رواد النهضة في الكويت. ومنهم أيضاً، سلطان بن مهنا السداني الذي كان من أوائل من عينهم الشيخ عبدالله الجابر الصباح قائد قوات الدفاع والأمن قبل تأسيس وزارة الداخلية، ضابطاً للأمن.

ولدت نورية بمنطقة الوسط عام 1946م، وتلقت مراحل تعليمها النظامي في المدرسة القبلية للبنات، ثم أكملتها بمدرسة حولي، ونشأت وترعرعت وسط مجتمع متسامح يحتضن أطيافاً متنوعة من البشر يحترم فيه كل طيف خيارات وعقائد الطيف الآخر، ويعمل من أجل هدف واحد هو ترسيخ الوجه الحضاري للبلاد وتأمين استقرارها وازدهارها. ولهذا لم يكن غريباً أن تكبر نورية وتنمو في ضميرها منذ الصغر بذور الأفكار التنويرية الهادفة إلى نشر وتعزيز قيم الحق والعدالة والتسامح والمساواة بين الجنسين والدفاع عن المظلومين والمضطهدين والتمرد ضد صور التمييز الجندري.

بعد إتمامها الثانوية، عملت نورية لبعض الوقت في مجال الكتابة الصحافية والتأريخ، لكنها قبل ذلك، عشقت العمل في الإعلام المسموع. وأخبرتنا في حوار أجرته معها صحيفة «الخليج» الإماراتية أنها في خمسينات القرن العشرين كانت تستمع إلى صوت ضياء الغانم (أول مذيعة كويتية) وهي تقدم برنامج الأطفال من إذاعة الكويت، فجذبتها فكرة أن تقتدي بها وتصبح مذيعة. وبالفعل تقدمت للعمل بالإذاعة وتمت الموافقة عليها. ولهذا كانت تذهب إلى المدرسة صباحاً وتذهب للعمل في الإذاعة بعد الظهر، قبل أن يلح عليها رؤساؤها بضرورة التفرغ التام للعمل الإذاعي، فرضخت وعينها الشيخ جابر العلي السالم الصباح وزير الإرشاد والأنباء (الإعلام) آنذاك رئيسة لقسم المرأة والطفل بالإذاعة خلفاً لإحدى النساء العربيات التي شعرت بالظلم لأنها أكبر سناً وأكثر خبرة منها. تقول نورية حول هذه الواقعة التي غيرت مجرى حياتها إنها هاتفت الشيخ جابر العلي وطلبت منه أن يعفيها ويرسلها في بعثة للقاهرة لدراسة الإخراج التلفزيوني فوافق.

وهكذا سافرت إلى القاهرة في عام 1964 لاستكمال دراستها الجامعية. وهناك التحقت بمعهد التلفزيون العربي الذي تمّ تأسيسه عام 1960 لتخريج الكوادر العاملة في مجال البث المرئي، فكانت أول كويتية وخليجية تلتحق بالمعهد المذكور، وتتخصص في الإخراج التلفزيوني الذي تلقت علومه وتدريباته على يد كبار الأساتذة مثل: المخرج كمال الشيخ والإعلامي أحمد فراج والمخرج نور الدمرداش.

على أن نورية قبل أن تغادر إلى القاهرة كانت قد بذرت في وطنها البذور الأولى لحركة نسائية سوف تسجل لها في قائمة أعمالها الوطنية الخالدة. فقد أسست وترأست أول جمعية نسائية في تاريخ الكويت، وذلك حينما راودتها مع بعض زميلاتها فكرة تأسيس جمعية للسيدات، فاتفقن على تأسيس «جمعية النهضة العربية النسائية» التي قمن بتسجيلها رسمياً بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في يناير 1963، علماً أن اسم الجمعية تغير لاحقاً إلى «جمعية النهضة الأسرية»، وذلك من باب عدم حصر نشاطها في المرأة. وحول هذا الكيان النسائي الرائد في منطقة الخليج قالت نورية بحسرة إن الجمعية ظلت تعمل لفترة طويلة على خير ما يرام، «لكن بعد الحل الأول لمجلس الأمة سنة 1976 تراجعت حركة المجتمع المدني، وكانت جمعية النهضة الأسرية إحدى الضحايا ضمن مؤسسات أخرى للمجتمع المدني».

وبعدما عادت إلى الكويت من رحلتها التعليمية خاضت تجربة الإخراج في تلفزيون الكويت فقامت بإخراج العديد من الأعمال الدرامية الأولى والبرامج التلفزيونية الناجحة جماهيرياً مثل برنامج «بريد التلفزيون». غير أن شغلها الشاغل كان العطاء الإنساني من أجل المرأة والطفل الذي كانت قد بدأته سابقاً. ومن هنا راحت إسهاماتها وأنشطتها تأخذ صوراً مختلفة جعلت اسمها يقترن بكلمة «أول». فهي، إلى جانب كونها أول كويتية وخليجية تتخصص في الإخراج التلفزيوني، وأول مؤسسة لأول جمعية نسائية في تاريخ الكويت، كانت أيضاً أول رئيسة لأول اتحاد نسائي كويتي منذ تأسيسه عام 1974 وحتى 1977، وأول امرأة تنتخب عام 1969 عضواً في مجلس إدارة جمعية تعاونية (جمعية الروضة)، وأول من أسست أول دار حضانة لأبناء الأسر العاملة عام 1968 تحت اسم «حضانة النهضة» (تمّ تغيير اسمها لاحقاً إلى حضانة عبدالله السالم).

تقول نورية إنها حينما حالفها الحظ لإلقاء كلمة باسم المرأة الكويتية في مؤتمر نسائي بالقدس عام 1964، كان يراودها سؤال «لماذا لا تحصل المرأة، ولاسيما في الخليج، على حقوقها السياسية؟»، فبادرت مع زميلاتها العربيات، وفي مقدمتهن الأديبة والسياسية المصرية الدكتورة سهير القلماوي، إلى تأسيس وإطلاق «الاتحاد النسائي العربي العام» الذي ترأست لجنة شؤون الأسرة فيه، قبل أن تصبح الأمينة العامة للاتحاد لشؤون الأسرة، ومن ثمّ المديرة العامة لمنظمة الأسرة العربية من عام 1979 إلى 1982.

هاجسها السابق ذكره عن الحقوق السياسية للمرأة الخليجية، دفعها في عام 1971 إلى تقديم عريضة إلى مجلس الأمة الكويتي، طلبت فيها منح الكويتيات حق المشاركة في الانتخابات البرلمانية ترشيحاً وتصويتاً، فكانت بذلك أول امرأة في الكويت والخليج تقدم على هذا العمل. وقد انبثقت فكرة العريضة عن أول مؤتمر نسائي كويتي (‏1971/‏12/١٥) بمشاركة نورية وفريق عملها، حيث خرج المؤتمرون بتوصية وتحديد موعد مع رئيس مجلس الأمة آنذاك خالد صالح الغنيم لتسليمها إياه. تقول نورية حول هذا الموضوع إنه لولا خالد الغنيم لما وثقت التوصية في محاضر جلسات مجلس الأمة، ولما تمّ تبنيها، وأن هدفها كان توحيد جهود نساء الكويت والكف عن الصراعات، مضيفة بحسرة: «الصراع النسائي ــ النسائي في رأيي أخر إنجازات كثيرة كان يمكن تحقيقها، ولولاها لنالت المرأة الكويتية حقها منذ السبعينات». على أن نورية عاشت لترى محصلة جهودها المبكرة ماثلة أمام عينيها، وذلك حينما مُنحت المرأة الكويتية كامل حقوقها السياسية عام 2005.

ورغم ذلك الحدث التاريخي المتوافق مع تطلعاتها، إلا أنها شعرت بالامتعاض من عزوف الناخبين رجالاً ونساء عن منح أصواتهم للمرأة، فبادرت في فبراير 2012 بتأسيس ما أطلق عليه «الكتلة التشاورية للمرأة الكويتية»، وذلك بهدف دراسة أسباب ومؤشرات عزوف الناخبين عن إيصال المرأة إلى مقاعد البرلمان. وقتها قالت: «إن ما يجب أن نجتمع عليه اليوم هو نقد الذات. فالمرأة الكويتية في حاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى لنقد الذات الذي أصبح من الأولويات المهمة، بعد أن خسرت تمثيلها البرلماني في الثاني من فبراير 2012 وعلى إثره خسرت تمثيلها الوزاري».

خاضت نورية في منتصف الستينات تجربة الكتابة الصحافية من خلال كتابة المقالات في الجرائد والمجلات الكويتية، وفي الفترة ما بين عامي 1986 و1991 تولت رئاسة مجلة «الربيع العربي». وحينما تعرضت بلادها للغزو العراقي صارت مسؤولة لجنة مجلة «كويت التحدي»، وحصلت على رئاسة تحرير مجلة «نحن الكويتيات» الصادرة عن نساء الكويت في المنفى بلندن، فساهمت من خلال المجلتين في إبراز جرائم القوات العراقية الغازية، وكتبت بنفسها سيرة 18 شهيداً كويتياً (تمّ تحويلها لاحقاً إلى مسلسلات إذاعية).

من أعمالها الأخرى وقوفها في العام 2008 خلف تأسيس «تجمع تنامي»، وهو تجمع الغرض منه «إعادة الكويت إلى مجدها باستعادة التربية الوطنية المبنية على الوحدة الوطنية البعيدة عن الطائفية والقبلية والطبقية، وتعزيز مفهوم المواطنة، وتغيير نهج الإعلام غير الحكومي الساعي إلى تقسيم المجتمع»، علماً أن التجمع بدأ نسائياً ثم تحول إلى تجمع وطني شامل للنساء والرجال.